«أرسم لأُدرِك من أنا» قالها التشكيلي «فاتح المدرس» منذ زمن بعيد، موقناً أن أبعاداً أكثر غموضاً تُخفيها اللوحة، من تلك التي نستشعرها للوهلة الأولى. ربما للسبب ذاته، يُصر البعض على زيارة المعارض التشكيلية عدة مرات، ففي كل مشاهدة تبوح الرسومات بتفاصيل جديدة تستأهل البحث فيها. ما سبق ينسحب على أعمال كبار الفنانين السوريين أمثال «نذير نبعة، لؤي كيالي، أدهم اسماعيل، الياس الزيات»، من كان لأعمالهم دور في تحولات وانعطافات عرفتها الحركة التشكيلية السورية، وتركت أثرها على النتاج الفني فيما بعد. هنا يبدو التواصل مع إبداع نماذج فريدة من الرواد، يندر تكرارها، ضرورة لا تستوجب شرحاً. لكن إذا كانت أعمالهم غير متاحة للفرجة، فكيف يمكن للناس وفناني النشء الجديد أن يعرفوهم فعلياً، يتلمسون لوحاتهم ويتمعنون فيها؟. بالطبع نحن لا نتحدث عن معرفة سطحية ومعلومات عامة مكررة، بل نعني تواصلاً جاداً، يعرض حياة الفنانين ومعارضهم وآراءهم الفنية والقيمة الحقيقية التي قدموها للفن السوري إضافة إلى أساليبهم وتقنياتهم على نحو يمكن لأي راغب أو مهتم التعرّف على مسارات التشكيل السوري منذ بدأت حتى اليوم.. هذه العناوين المهمة هي ما استطلعته «تشرين» في هذا التحقيق، فإلى التفاصيل:

الحديث عن صالة للفن الحديث تستوعب أعمال الفنانين السوريين التي تتباهى كبرى متاحف العالم باقتناء بعضها، فيه من الخفايا الكثير، من دون أن ننسى ما تم بيعه من لوحات مميزة في مزادات علنية أو ضاع بسبب تفريط الورثة وطمعهم. فالأمر لا يقتصر على إغلاق صالة الفن الحديث في المتحف الوطني، والتحفظ على محتوياتها، مع ما أُشيع عن حالات تزوير وسرقة لبعض مقتنياتها… على ما يظهر، لم تكن هذه الفكرة أولوية لأي من الإدارات الثقافية، ليبقى التغني بالتشكيل السوري مقتصراً على الندوات التكريمية والمناسبات الفنية، وهو أمر يخلو من الديمومة بقدر ما يفتقد إلى نيات حقيقية للحفاظ على إبداع الفنان السوري ودعمه كما يجب.

سألنا المديرية العامة للآثار والمتاحف عن التأخير في افتتاح الصالة، وعن محتوياتها من أعمال فنية، هل تخضع لشروط حفظ معينة تضمن عدم تعرضها للتلف بسبب الرطوبة والحرارة والحشرات، ما شروط الاقتناء التي توفرها الصالة؟. لكن الإجابة لم تكن بالوضوح ذاته حسبما أظهرته طريقة التعامل معنا… إذ كان مطلوباً أن نتقدم بطلب رسمي إلى الديوان، مصحوباً بطوابع رسمية، بدل أن يتاح لنا طرح تساؤلاتنا على إدارة المتحف بشكل مباشر كما يفترض أن يكون التعاطي مع الصحافة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فخلال شهرين من المتابعة عبر الاتصالات وزيارة المتحف ولقاء المعنيين، كانت أسئلتنا مثار جدل عبر كتب رسمية بين إدارة المتحف وشؤون المتاحف في المديرية.. في إحداها افتراض بأننا سنستثمر المعلومات لشأن خاص!، وفي أخرى يقول لنا أحدهم هناك «من حقنا حماية أنفسنا قبل النشر»، والغاية ليست أكثر من تبرير غير مفهوم للمماطلة وتمييع الأمور حتى جاءنا رد مبهم، تجدونه مرفقاً مع هذه المادة، وحين طلبنا إجابات أوضح مع تكليف الدكتور «محمود حمود» بإدارة المديرية بدلاً من الدكتور «مأمون عبد الكريم»، كان علينا إعادة الكرّة مجدداً، مع مزيد من التأجيل والتجاهل لأي قيمة ثقافية تتمتع بها المديرية العامة للآثار والمتاحف بوصفها جزءاً من الحالة الثقافية في سورية، ما يعني تعاطياً أقل تشنجاً مع الإعلام أو ربما كان لهذه الآلية أسباب، فإجابة الصحافة ممنوعة والتصوير ممنوع، بحجة حماية اللوحات، ولا ندري حمايتها ممن، لربما كانت الصحافة تشكل خطراً عليها!. كل هذا يشرّع الأبواب لتساؤلات أكبر.. ما الذي يجري في جناح المتحف الحديث، وما الذي تخفيه الإدارات المتتالية في المديرية، وما حقيقةً أوضاع المقتنيات؟.
بين صالة المعارض وجناح الفن الحديث
لنعد بدايةً إلى تاريخ تأسيس صالة الفن الحديث في المتحف الوطني، والكلام للناقد «سعد القاسم»، فالمتحف الوطني أو ما كان يعرف وقتها بمديرية الآثار العامة كان معنياً بتنظيم المعرض السنوي منذ عام 1950 بالتعاون مع وزارة المعارف «وزارتا التربية والتعليم العالي حالياً». في ذلك التاريخ بدأ المتحف باقتناء أعمال من المعرض السنوي حتى عام 1959حين أسست وزارة الثقافة في الجمهورية العربية المتحدة، لتنتقل مسؤولية المعرض إليها. خلال هذه السنوات تجمع لدى المتحف الوطني عدد مهم من اللوحات والمنحوتات لفنانين رواد وغيرهم من المساهمين في المعرض تمثل قيمة تاريخية كبيرة إضافة إلى قيمتها الفنية المهمة.. فيما بعد تم إحداث جناح للفن الحديث في الجناح الغربي للمتحف، ووضع فيه قسم مهم من المقتنيات إضافة إلى مجموعة لوحات كبيرة، وطلب حينها المدير العام للآثار والمتاحف الدكتور «عفيف بهنسي» من مجموعة فنانين سوريين متميزين منهم: لؤي كيالي، أسعد عرابي، ممدوح قشلان، صنع لوحات كبيرة مناسبة للجناح.

يضيف القاسم أيضاً: فوق جناح الفن الحديث كانت هناك قاعة بالحجم نفسه، تستخدم للمعارض المؤقتة وتستضيف المعرض السنوي، لاحقاً نظّم فيها معرض للمعماري السوري «أبولودور الدمشقي» بالتعاون مع الجانب الإيطالي، تم إحضار نماذج عن أعماله المهمة، وتالياً تقرر تحويلها إلى جناح دائم، ولم تعد هناك صالة معارض مؤقتة فانتقل المعرض السنوي إلى أحد الأجنحة في معرض دمشق الدولي ومنه إلى خان أسعد باشا والمركز التربوي للفنون في التجــارة ثم عـــاد للخــــان لعـــــدم وجود صالة كبيرة.
يضيف القاسم: يحدث أحياناً التباس بين صالة المعارض وجناح الفن الحديث، الصالة هي التي أُغلقت أمام المعارض المؤقتة لأنها تحولت إلى صالة «أبولودور الدمشقي» أما الجناح فلم يغلق إلا مع بداية الأزمة، إضافة إلى جميع أجنحة المتحف لأسباب أمنية، وهذا ينطبق على كل المتاحف السورية التي تم إغلاقها ونقل محتوياتها إلى مناطق آمنة مع الإشارة إلى أن الجناح كان متاحاً للجمهور منذ افتتاحه لكن ليس بشكل دائم، بمعنى أنه كان يُفتح على الطلب، والسبب عدم وجود عدد كاف من الحراس، وهو أمر ينطبق على أجنحة أخرى منها المدفن التدمري.

لكن ما يجب أخذه في الحسبان في رأي القاسم أن الصالة لم تعد مناسبة لتكون جناحاً للفن الحديث، لصغر حجمها مع وجود حالة تراكمية فنية. لذلك فكّر الدكتور «عفيف بهنسي» يوم كان مسؤولاً بفصل جناح الفن الحديث عن المتحف، وأخذ مشفى «الغرباء» في مبنى جامعة دمشق، وبدأ بترميمه ليكون متحفاً للفن الحديث، لكنه توقف حين ظهرت فكرة المتحف التي أعلنت عنها وزارة الثقافة وأقامت مسابقة لتصميم المبنى وخصصت له أرضاً أواخر التسعينيات.. ما حصل بعدها أن الموضوع توقف حين تركت وزيرة الثقافة الدكتورة «نجاح العطار» الوزارة، فاستردت المحافظة الأرض.. لاحقاً تم استردادها وأُعيد تخصيصها لمصلحة المتحف لكن ظرف البلد لا يسمح حالياً بالتفكير في هذا المشروع.
إلى متى يبقى الجناح مغلقاً؟
الفكرة الســـابقة مؤشــر على أن الجناح سيبقى مغلقاً مادامت الظروف الحالية مستمرة، لكن هل يعقل ألا تجد إدارة المتحف ساعات أو أياماً محددة، تفتح فيها الجناح لاستقبال الزوار الراغبين في رؤية إبداع سوري يُنسيهم شيئاً من الحرب، ألا يمكن إيجاد صيغة ما لضمان عدم الانقطاع بين فناني اليوم والأمس، صيغة تعرض لأطفال وُلدوا في الحرب، نماذج من إبداع فناني بلدهم مقابل ما عايشوه من عنف وقسوة؟
يرى القاسم أن قرار الإغلاق لا يخضع للمطالبة الشعبية لأن مسؤوليته تقع على عاتق الجهة المسؤولة عنه.. هل بات الوضع آمناً لعرض معروضات يصعب تحديد قيمتها؟، هذا تقرره جهات ثقافية وأمنية معاً وتالياً فإن المطالبة لا تتجاوز التمني.

مع ذلك، هناك وجهة نظر أخرى طرحها رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين «إحسان العر»، مستحضراً صالة الرواق العربي التي افتتحت منذ عام ونصف العام، وأصبحت رافداً مهماً للحركة التشكيلية السورية لكونها أتاحت للفنانين إقامة معارض فيها برغم أن مساحتها ليست كبيرة، وقد شهدت إقبالاً جيداً عبر النشاطات المستمرة على مدار العام «ورشات عمل، ندوات ثقافية، معارض». بعد هذا يتمنى العر رؤية أعمال الفنانين السوريين في متحف سوري كما نراها في متاحف العالم.. يضيف: نحن ورثة الجيل القديم، نتمنى أن تشاهد الأجيال القادمة أعمالنا أيضاً في صالات تحفظ هذا الموروث الثقافي، لا نريد التوقف عند المعوقات طويلاً بل يجب أن نتطلع إلى المستقبل، وهو ما فعلناه في الاتحاد.. كانت الثقة معدومة بينه وبين الفنانين، لكننا أعدناها خلال عامين، عبر نشاطات حققت شيئاً للفنان واتحاده.. بالنسبة لمتحف الفن الحديث يجب أن تتعاون وزارة الثقافة مع الجميع لإعادة إحيائه، لترى الأجيال القادمة سلسلة بلا انقطاع عن الفن السوري، إضافة إلى تكريس موضوع اقتناء أعمال فناني اليوم، وهو تسجيل وتوثيق للحركة الفنية في عصرنا. والأهم، في رأي العر، أن الفكرة رسالة بأن سورية ليست حديثة العهد، فهي ضاربة الجذور ويجب المحافظة على هذا من خلال الحياة الثقافية.
يعود الفنان أنور الرحبي إلى ما بدأنا به مؤكداً ضرورة وجود نواة حقيقية لمجاميع المبدعين السوريين، ومع أنها أمنية يكثر الكلام عنها لكنها حق طبيعي للفنان، ففي دول العالم بيوت تؤرخ للفنانين، وهي قيمة بصرية وثقافية وسياحية، لكنها وهو الأهم قيمة للبلد عموماً. يقول: «منذ السبعينيات ونحن نتطلع إلى هذا الموضوع.. والحقيقة أن الدكتورة العطار حين كانت وزيرة للثقافة دعمت هذه الفكرة، ثم تسارعت الأيام وطارت الأرض التي خصصتها للمتحف.. لا أحد يعرف كيف حصل هذا لكنها طارت، ربما نتيجة جهل عند بعض الذين لا يتذوقون الفن ولا يعرفون حقيقة الثقافة البصرية» مستغرباً حالة التعتيم على هذا الموضوع التي اكتملت مع مجريات الأحداث في سورية منذ 7 سنوات، وكانت النتيجة الإغلاق على الثقافة البصرية عبر وضع المقتنيات الفنية في أدراج أو أقبية خوفاً عليها .
لامبالاة في التعاطي مع التشكيلي السوري
منذ سنوات وجناح الفن الحديث هو طابق في المتحف الوطني، لكن هذا لا يخدم فكرة الطموح والانتشار الثقافي، ولا يليق بالحركة التشكيلية السورية.. يضيف الرحبي: حين أسافر خارج سورية يقولون لي إن في بلادك ثورة فيما يتعلق بالبصريات والفنون التشكيلية.. لكن الحرب خربت كثيراً، نتأمل ونتطلع كفنانين في هذه الظروف الحالية، إلى أن تتمثل سورية بمتاحف كما يمثلها الفنان السوري في المحافل الدولية، متاحف وصالات تكون إرثاً وتاريخاً لما يحققه فنانونا من جوائز في المسابقات والملتقيات العالمية.
يتهاون عدد من المعنيين في تقديرهم لمعنى إغلاق الجناح، وهو للأسف سبب رئيس في تجاهل من يسأل عنه. لذلك يجب ألا نستهجن جهل عدد كبير من الناس بفنانين مثل «فاتح المدرس» و«لؤي كيالي»، حتى إن البعض لا يعرف أنهما سوريان أو رسامان.. يعلق الفنان «عبد الله أبو عسلي»: صالة أو متحف يضم أعمال الفنانين الرواد والمعاصرين، أياً كانت التسمية، من المفروض أن تكون موجودة ومتاحة ليتعرف الجيل الحديث على أعمال فريدة ومهمة.. ما يتجاهله المعنيون أيضاً حاجة الفنانين الشباب للاطلاع على نتاجات الفن السوري منذ بداياته حتى اليوم، وهذا لن يأتي عبر الكتب والمجلات وحدها بل يجب تفعيل هذا المكان لأنه يرفد التشكيل السوري بكل معانيه، يمكن وصفه بـ «دليل الفنانين الجدد» ولمن لديه ثقافة بصرية ويرغب في تطويرها، تخيلوا رحلة مدرسية للتعرف على فنان سوري، متى يكون هذا متاحاً؟.
اللامبالاة في التعاطي مع التشكيلي السوري ليست جديدة على الفنانين، وليس تجاهل حقهم في متحف لائق، الإشكالية الوحيدة. هناك أيضاً معوقات أخرى منها إيجاد مقر للاتحاد ودعم صناديق التقاعد والمساعدات للفنانين. يشرح الرحبي: لدينا 166 فناناً تشكيلياً مصاباً ومريضاً، معظم المصابين من حلب، كلنا معنيون بوجود أيدٍ ترفع من مستوى الفنان وتحقق له نوعاً من الرافعة الذاتية لمستواه ولاحتضانه، ففلان وفلان لا يمثلان التشكيل في سورية، المجموع هو من يمثله، وهو ما نسميه مشهداً كاملاً، نتمنى احتضان الإبداع السوري الذي يشكل قيمة حقيقية لوجودنا.
وحتى لو كانت مؤسساتنا تعيش أزمة اقتصادية بما فيها الجهات الثقافية، يقول الفنان «عصام المأمون»: لا أنكر ذلك لكن ما يجب قوله هو أننا لم نر شيئاً مهماً حتى اليوم من أولئك، كل ما يعني التشكيل يتم بشكل فردي، الفنان يستمر بجهده الشخصي حقيقة، يتعب ويجتهد ليرسم ويقيم معرضاً، أما بقية المؤسسات فهي لا تستطيع مواكبة أسعار اللوحات ولا تستطيع حتى اقتناءها كما يجب.
لا بد من السؤال: ألا يشكل إغلاق جناح الفن الحديث حالة انقطاع فني بين مرحلتي ما قبل الحرب وخلالها لجهة الاقتناء؟
يجيب القاسم: المتحف لم يتوقف عن الاقتناء منذ تأسيسه، وهذا لا يقتصر على المعرض السنوي، لكن الاقتناء عمل مستقل عن العرض، هناك أعمال اقتناها المتحف لكنه لم يعرضها كأي متحف آخر، يبدل معروضاته بشكل مستمر، وهناك بالطبع أشياء ثابتة لا تخضع للتبديل.. في العموم يجب جمع مقتنيات وزارة الثقافة والمتحف معاً، لأن ذلك سيتيح عرض كل أعمال الفن السوري للراغبين في الاطلاع والدارسين في مكان مناسب، وكل ماعدا هذا هو حلول مؤقتة.

print