لم تكن عبارة «عنا طلوع الشمس أحلى» مجرد شعار اتخذته جمعية «الوئام» للنساء الكفيفات عنواناً للحفل الذي أقامته لتكريم الطلبة المتفوقين في الشهادة الثانوية من الكفيفين والكفيفات، وتكريم الخريجات الجامعيات من الكفيفات، ففي حروفه أقوى تعبير عما يدور في أذهان أولئك الشباب الذين تحدوا إعاقتهم واجتازوا مسيرتهم التعليمية بتميز وتفوق استحقوا عليه التكريم والتقدير والثناء وتصفيق المشاركين والحضور الذين امتلأت عيونهم بالدموع، لكن ليس حزناً على من حرموا نعمة البصر، بل تقديراً وإعجاباً بما وصلوا إليه من نجاح أثبتوا من خلاله أنه لا يأس مع الحياة.
بفرح وضحكة ملأت قلوبهم ارتدوا الزي الخاص بالمتفوقين منتظرين اللحظة التي ستنقلهم من مدرج صالة المركز الثقافي في المزة، حيث يقام الحفل إلى منصة التكريم التي اعتلتها رئيسة جمعية «الوئام» ميساء السقا لتخفف من دقات قلوب أبنائها المكفوفين بقولها: إن الكفيفين شريحة من شرائح المجتمع، يمتلكون في داخلهم إمكانات وقدرات ينبغي أن تستغل حتى يتمكنوا من المساهمة في بناء وطننا الحبيب، فنحن – الكفيفين- رؤانا بعيدة المدى، وأحلامنا فسيحة الأرجاء وسنسعى جاهدين لتحويلها إلى واقع ملموس تُسعد به القلوب ويُسر به الشعور إعجاباً بما سننجزه غير مكترثين بالمشقات، هذه المشاعر هي ما نحاول إيصاله إلى كل العالم وما فعاليتنا هذه التي تواكب الاحتفال بعيد الكفيف العالمي وتأتي بالتعاون والتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وبدعم من الجمعيات الأهلية وتهدف إلى تسليط الضوء على الكفيفين والكفيفات المتميزين علمياً وتقديم الحافز لهم للاستمرار والعطاء إلا جزء من تلك الرسالة، لتختتم حديثها إن جمعية «الوئام» للكفيفات في أمس الحاجة لجهود الأوفياء لتستمر في مسيرتها التي انطلقت منذ عام 2006 ولا تزال رغم ظروفها الصعبة تقدم الرعاية للكفيفات من عمر 18 سنة بهدف المساهمة في دمجهن في المجتمع.
يمتلكون ما يكفي للنجاح
الإرادة والتصميم هما أساس النجاح، والأشخاص ذوو الإعاقة، ومنهم فاقدو البصر يمتلكون من المهارات ما يكفي للاستمرار في الحياة والنجاح في مختلف المجالات، كلمات كانت القاسم المشترك بين الكفيفات والكفيفين المكرمين الذين عبروا لـ «تشرين» عن شعورهم بالفخر لتميزهم ووصولهم إلى ما يطمحون إليه، حيث أشارت فاطمة عز الدين خريجة لغة عربية في جامعة دمشق، التي نغصت وفاة والدها الذي كان رفيق دربها من ضيعتها في ريف دمشق إلى الجامعة، فرحتها بالتفوق، وبعد تنهيدة لفتت إلى دور الأهل والمحيط في تذليل الصعاب أمام الكفيف التي تتمثل بالنسبة لها في التنقل الذي حرمها من الالتحاق بالدورات المهنية التي يلتحق بها أبناء المدينة، أضف إلى الصعوبة في تأمين التسجيلات الخاصة بالمنهاج والمحاضرات، ولكن رغم ذلك سنستمر في تحصيلنا العلمي لنكون أشخاصاً فاعلين لنا دور حقيقي في خدمة بلدنا، وهذا التكريم خطوة من خطوات الدعم المادي والمعنوي بالنسبة لنا.
بدورها منى الهيامي المتفوقة في الشهادة الثانوية، التحقت للدراسة في قسم علم الاجتماع رأت أن التكريم فرصة للاندماج في المجتمع وفيه تشجيع لمواصلة مسيرتهم العلمية والعملية داخل أسوار الجامعة وخارجها بقوة وعزيمة.
حمزة الزين الحاصل على المركز الأول في الشهادة الثانوية والذي حجز لنفسه مقعداً في قسم علم النفس وفي المعهد العالي للموسيقا قسم الغناء، قال: أفتخر بأنني استطعت تحقيق حلم أهلي والمدرسين في المعهد وحلمي في التفوق، فهذا النجاح الذي نكرم لأجله اليوم يضعنا على نفس السكة التي يسير عليها المبصرون، فأنا التحقت بالجامعة وبدأت الدوام الفعلي، تفاعلت مع الدكاترة، وأثبت وجودي وسأستمر حتى أنهي الدراسات العليا، ففي ذلك رد الجميل لكل شخص ساندني في تحقيق أحلامي، صحيح أن هناك صعوبات تواجهنا تتمثل في عدم توفر المنهاج، ولكننا نتغلب عليها من خلال التسجيلات الصوتية، وهو ما يدفعنا للمطالبة بوجود طابعات برايل، رأي اتفق فيه مع زميله المتفوق حسين علي حيدر المسجل في كلية التربية الذي أفاد بأن التكريم دافع لإكمال دراسته الجامعية و العليا،
منوهاً بأن الفضل في نجاحه يعود للأهل والمدرسات في معهد المكفوفين اللواتي رسمن لهم الطريق لتحدي الصعاب وتجاوزها بالدراسة والاجتهاد.
وللأهل دور
أبت دموعه إلا أن تنزل، فابنتاه على منصة التكريم، شهاب حرب وزوجته نذرا نفسيهما لمساعدة ابنتيهما في تحقيق حلم النجاح في الشهادة الثانوية يقول: «الله بيحرم الإنسان من شي ويعطيه في المقابل ما يعوض»، فابنتاي تتمتعان ببصيرة قوية أوصلتهن إلى التفوق والنجاح، و أقول لكل أسرة عندها شخص ذو إعاقة أن عليها التحمل ومساعدته وعدم الخجل من إعاقته، فالمجتمع والجهات الرسمية والأهلية يقفون إلى جانب هؤلاء الأشخاص من خلال تكريمهم ودعمهم بكل الأشكال.
المرشدة الاجتماعية والنفسية ريما خزعل والدة ريتا الخريجة في الحقوق من جامعة دمشق، لفتت إلى أن على الأهل معاملة أبنائهم ذوي الإعاقة كأشخاص طبيعيين مع قليل من التعاون والمساعدة، وأن يكونوا أصدقاء لهم ومشجعين يعلمونهم حب الحياة ويتعلمون منهم الصبر والإرادة، وعن تجربة ابنتها تقول: المدرسة لعبت دوراً كبيراً من خلال دمجها مع أقرانها، كذلك الجامعة فهي تخصص للمكفوفين قاعات امتحانية و تهيئ المرافقين المساعدين، ولا ننسى الجمعيات التي ازداد دورها خلال الأزمة، والتكريم من قبل الوزارة وجمعية الوئام خير برهان.
يحمل أكثر من وجه
شادي مسعود (دراسات عليا في اللغة العربية نائب رئيس جمعية المكفوفين) قال: التكريم رسالة تحمل أكثر من وجه، فهو يمنح الكفيف السعادة، ويذلل الصعوبات أمامه، وفي الوقت ذاته يلفت نظر المعنيين لدعم هؤلاء الأشخاص وتفعيل دورهم في البناء والإعمار، وعن نظرة المجتمع أكد أنها تغيرت فالإعلام لعب دوراً في كسر الحاجز بين المجتمع والأشخاص ذوي الإعاقة من خلال تسليط الضوء على حاجاتهم وقضاياهم.
خلود الرهونجي وليان برازي من جمعية «الوئام» أوضحتا أنه رغم إمكانات الجمعية البسيطة وعدم وجود مقر دائم لها تسعى إلى دعم المكفوفين من خلال توعية المجتمع بحقوقهم وكيفية التعامل معهم تربوياً وتعليمياً ونفسياً وبالدفاع عن مصالح وحقوق المرأة الكفيفة، والى إنشاء مراكز تدريب مهني لبناء وتطوير قدراتها ومهاراتها ودُور لرعاية المسنات الكفيفات، وقالت الرهونجي: لدينا في الجمعية 60 طالبة جامعية، طموحاتنا كبيرة ولدينا مشاريع كثيرة، وللوزارة دور كبير في دعمنا وتيسير أمورنا فهي توجه ليحصل الكفيف على فرص عمل تناسب شهادته.
أولوية في عمل الوزارة
ميساء ميداني مديرة الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أكدت أن قضية الإعاقة تشكل أولوية في عمل الوزارة، فهي تعمل على تفعيل وتسيير الخطة الوطنية للإعاقة التي انطلقت في العام 2010 لتتناسب مع الوضع الحالي وهذه الخطة داخلة في كل القطاعات بما فيها البنية التحتية المؤهلة وتأمين المدارس الدامجة ولدينا نظام جديد هو نظام الإحالة لمعالجة كل حالة على حدة حسب نوع الإعاقة، إضافة إلى تشكيل لجنة من كل القطاعات لدراسة قانون الإعاقة للوقوف على ما تم تنفيذه والصعوبات التي تعترض طريقه، وعن فرص العمل بينت أن قانون العاملين الأساسي الموحد حدد نسبة 4 % للأشخاص ذوي الإعاقة في جميع المؤسسات والقطاعات، لتختم: عندما نتواجد مع ذوي الإعاقة فإننا نتطلع من خلالهم بعين الأمل إلى مستقبل يضمن الحقوق لكل فئات المجتمع.

print