«… وحين اعتذر إليه، كانت المكتبة قد تفرّقت وضاعت وهي تحتوي على أندر المخطوطات التي قام برحلات كثيرة وطويلة، على مدى سنين يجمعها من الجزيرة الفراتيّة والشّام وفلسطين ومصر وبلاد الرّوم!». بعض ما نقرأ، يرسم مشهداً بصريّاً سريع التجلّي، واضح الحنايا والثّنايا! ومن المفارقات أن يكون صاحب المكتبة التي ضاعت وتفرّقت ورسَمَت هذه الصّورة المرئيّة من أبرع أطبّاء العيون عبر التّاريخ، وكاشفَ سرّ تحليلها للألوان، وعضلاتها التّسع التي تحرّكها لترى جمال الكون الأخّاذ، بقريبه وبعيده، وكلُّ هذا لم يشفع له عند الخليفة «المتوكّل» الذي وقف «البحتري» على بُرْكَته الأسطوريّة، يبثُّها شعراً رقيقاً يضاهي سقسقة مائها الذي أُجبر على أن يكون واهناً وصقيلاً لتتمرّى فيه أزهار ضفافها ونجوم السّماء في القبّة التي ترنو إليها!
لم يكن «حُنَيْن بنُ اسحق» شاعر لغة وقصيد، بل عالِماً لم يوهِنْ عزيمتَه طردُ معلّم الطّب «يوحنّا بن ماسويه» له، من مجلسه في بغداد، حين التحق بدرسه الأوّل فقد غادرها من فوره إلى بلاد الرّوم ليعود منها بعد عامين، بلغة هوميروس وملحمَتي «الإلياذة» و«الأوديسة» ويسحر أهل زمانه بترجماته السّلسة التي طوّعت أربع لغات: اليونانيّة، الفارسيّة، السُّريانيّة، العربيّة، وجعلتها سهلة المزج، دقيقةَ التّعبير، صافية الملامح، كما تفعل العينُ في تأمُّلاتها للضّوء والألوان! وما اعتمد الطّبيب، المترجم، عيادةً يعالج فيها مرضاه، بل كانت عيادته في «بيت الحكمة» يخلو فيه إلى «جالينوس» و«إيبوقراط» و«أرسطو» ويرنو إليه «المأمون» فلا يجد مكافأة تليق بجهده إلا الذّهب، يزن به كلَّ كتاب يخرج من لغته الأصليّة إلى اللّغة العربيّة، حتى إذا ما تخطّى الزّمن عهد «المعتصم» وجاء «المتوكّل»، لم يَرَ في «حُنَيْن» إلا صانع سُمٍّ لأحد خصومه، لكنّ الرّجل رفض: – أنا طبيبٌ من أجل الحياة ولستُ قاتلاً! وزُجّ به في السّجن مدّة عام، خرج بعدها في لحظة ندمٍ من مزاج «المتوكّل» المتقلّب، بل المضطرب، وفي القصور كائناتٌ خفيّة وأهواءٌ عاصفة تصنع المصائر الفاجعة غيرَ عابئة بالنّبالة والبراءة والسّموّ، فـ«بَخْتَيْشوع» طبيب الخليفة يشعر أنّ مكانه مهدّد من ذاك المشعّ بالمواهب، بل مكانة عائلته كلّها، وقد توارثت تطبيب الخلفاء، يعمد إلى وضع جمرة تحت قفطان الخليفة: – «حُنَيْن» هذا لا يحترم الأيقونات المقدّسة رغم أنّه مسيحيّ، فكيف بدينٍ آخر؟ وما لامسَت الجمرة بدن الخليفة إلا قد لذعت فيه مكمن الزّندقة التي أطاحت بكبار المفكّرين والعلماء ولطّخت تاريخ الشّعوب منذ عهد سقراط بعار وَأْد العقول التي حوّلت مسار البشريّة! أعيد الرّجل إلى السّجن وأُغرق بيته بالماء، وقُذِف بكتبه في كلّ درب! وحين خرج من محبسه بعد عامين كان معتلّاً ومريضاً يتلقّى اعتذار سجّانه وظالمه، ويحاول توظيف ذاكرته المتعبة في تلك الأسفار التي جنى فيها ثروته الحقيقيّة، ويرثي معجمين لغويين ألّفهما للطّلبة والباحثين، يونانيّاً وسُريانيّاً، ضاعا إلى الأبد! وربّما شعر بالأسى حين قضى «المتوكّل» اغتيالاً مازال مشهده الموصوف يثير الرّعدة في الأوصال… قبل أن يغادر، هو الآخر، هذا العالم العبثيَّ بأهله، وكيف لا يكون عبثيّاً حين يستوي في الموت من جاب العالم ليقرّب العقول ويفتح القلوب لأزمنةٍ تتجاوز زمنه، ومن ظنّ نفسه رحيماً لم يأمر بقتل رجلٍ مذنب بل خفّف الحُكْم إلى السّجن، لكنّه اغتال بلا رحمة، ما هو أبقى! اغتال مكتبة..

print