لعل أهم ما جاء في الجولة السابعة من محادثات «أستانا » هو اتجاه الأنظار إلى «سوتشي» الروسية من أجل عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي دعت إليه موسكو، ورغم أن «أستانا 7 » لم يتم فيها حسم النقاط التي طرحت على طاولة النقاش والمتعلقة بملف الأسرى والمخطوفين، حاولت موسكو تدارك هذا التعثر بالدعوة إلى إطلاق مؤتمر للحوار الوطني السوري في «سوتشي»، كاشفة عن قائمة المدعوين إلى هذا المسار الجديد، التي تضمنت 33 تياراً سياسياً.
حكومة الجمهورية العربية السورية رحبت بالمقترح الروسي وأكدت أنها مستعدة للذهاب إلى المؤتمر المقرر عقده في سوتشي، مشيرة إلى أن الفرصة باتت مناسبة لعقد المؤتمر بفضل مكاسب الجيش العربي السوري في مسيرة القضاء على «الإرهابيين»، وبينما شككت الدول الغربية بنجاح المؤتمر سرعان ما اتهمت بعض قوى «المعارضة» موسكو «بتعطيل مسار العمل التفاوضي في جنيف في خلق مسار جديد».
وعن أسباب الدعوة الروسية إلى عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي وما الأهداف الحقيقية لهذا المؤتمر؟ وماذا يعني بالنسبة إلى محادثات جنيف؟ وماذا عن طروحات من قبيل «الفدرلة والتقسيم»؟ كان لصحيفة «تشرين» حوار مع المتحدثة باسم «الجبهة السورية الديمقراطية» المعارضة السيدة ميس كريدي، التي رأت أنه في الفترة الأخيرة أصبح من الواضح بدء الافتراق الروسي -الأمريكي من خلال تعدد المؤتمرات وتعدد المنابر واللقاءات أيضاً، إضافة إلى فوضى التصريحات التي بدورها تنعكس من خلال تعبيرات سياسية بشكل إيجابي، الأمر الذي جعلنا أمام هذا الواقع نتعاطى مع الفكرة الروسية لأن فكرة عقد مؤتمر الحوار السوري السوري بآليات موسعة يجعلها أكثر موضوعية وبتقارب أكثر مع الناس على الأرض، مضيفة: هذا التواجد الحقيقي على الأرض لابد من أن يعكس وجهة نظر حقيقية، علينا أن نتعاطى معها بمنحى من حسن النيات، لكن في المقابل هناك أمور يجب التنبيه إليها، ونستطيع أن نشير أولاً إلى أنه عندما تم الإعلان عن مبادرة في حميميم ثم بدء التلميح إلى سوتشي ثم كان هناك حديث عن أعداد كبيرة ثم حديث عن اختصار لاحق.
وأوضحت كريدي أن هناك سيناريوهات كثيرة مطروحة حتى الآن، وقالت: ربما تحاول كل مجموعة أن تجعل لها موطئ قدم أوسع في شيء محتمل غير واضح حتى الآن، ولكن الوضوح الوحيد هو ما تحدث عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى تصريحات لاحقة لعدد من الدبلوماسيين الروس، ومع ذلك يبقى لدينا احتمال أن يكون هذا محاولة لمواجهة جنيف أو لدفع جنيف باتجاه مسار أكثر عقلانية أو التلويح بالعصا، وقد يكون مساراً جدياً فعلاً قابلاً أن يكون هو المسار البديل، ولكن، حسب تصريحات روسية كثيرة، فإن سوتشي ليس مساراً بديلاً، إذاً ماذا سيكون؟ هل سيكون رديفاً أو دافعاً، أو هل سيكون منوطاً به جزء من المهمة السياسية وجزء آخر يترك للتسوية في جنيف، وهل سيتم الإعلان عن إلغاء جنيف؟ في الحقيقة لا أعتقد ذلك لأن جنيف مرتبط بالقرار 2254 وعلى أساسه تقوم جولات المفاوضات لا يمكن إنكار أن مسار «أستانا» وهو المسار الفعلي، الذي يحقق انجازات لأنه علاقة بين طرفين لديهما فعالية مباشرة على الأرض، مضيفة: لكن في النهاية هناك قوة إقليمية ودولية تجلس في «أستانا» بشكل مباشر أو من خلال ممثليها، «فأستانا» هو التعبير الأكثر جدية لكن في المحصلة لا يوجد عمل لا يكون له غطاء سياسي، فالأغطية السياسية الآن، حسب اعتقادي، تبقى في جنيف ولكن تكون هناك حالات رديفة أو في حالات دفع أو حالات من الضغط يمكن أن تتمثل في مؤتمر الحوار السوري- السوري أو غيره.
وقالت كريدي: عن التحفظات الموجودة علينا ألا نغفل في خضم الامتنان الكبير للحلفاء في دولة روسيا الاتحادية، وهم حلفاء للدولة السورية بشكل عام، حكومة ومعارضة وطنية، لأن المعارضة والحكومة يفترض أنهما جزء من الدولة السورية، فلا يمكن في خضم الامتنان الشديد لدولة روسيا ألا نميز بين روسيا وسورية، هم حلفاء وأصدقاء، وربما هناك دول أقرب ودول أبعد، هناك منظومة دول صديقة وحليفة وشقيقة لسورية، لكن هي ليست سورية، بالنهاية هذا الافتراق في لحظات معينة يحصل افتراق مصالح أو لا تتطابق المصالح، وبقدر ما يكون هناك تماسك بالقرار السياسي السوري بقدر ما يكون هناك إيمان بالحالة الوطنية، وبقدر ما تبقى هذه المسائل في إطار التوافق بين الأصدقاء ولا تتحول إلى أزمة أو انقلاب على حالة سياسية معينة، يبقى الحوار هو أساس التعامل بين الأصدقاء وتقبل النصيحة من الأصدقاء، ولكن يبقى الواقع السوري قرار السوريين، وهناك لدى الكثير من القوى الإقليمية والدولية حالة عاطفية متجذرة بالشعب السوري صعب أن تصل همهماتها أو تعبيراتها إلى الآخر، ولأول مرة نلاحظ الآن رغم كل الاختلاف بين المعارضة والسلطة في سورية بمختلف أطيافها، أنه حصلت حالة توافق على رفض فكرة «الفدرلة والتقسيم» وأي مسألة تتعلق «بتفتيت» البلد، هذا المنحى يجمع عليه أغلبية السوريين، حتى إخواننا الأكراد في شمال سورية هم ليسوا معبرين عما تمثله الحالة السياسية، الآن هناك غصب للحالة الكردية عن طريق حالة مسلحة تتحدث مع الدول، لكنها لا تعبر أبداً عن حالة أهلنا الأكراد، إذاً، هي حالة عسكرية مثل بقية المناطق تتفاوض مع الأمريكان وتحاول أن تتفاوض مع الروس وتؤدي أدواراً، نتمنى أن تكون العلاقة مع الإخوة الأكراد هي علاقة مبنية على أرضية الحوار السوري- السوري، لأن العقد الاجتماعي هو الكفيل بحل المشكلة، وإنهاء هذه الأزمة وأي احتمالية لعودتها.
وأضافت كريدي: وأما إذا كان التنفيذ بطريقة عسكرية على أرضية دخول الرقة أو بدخول مناطق متعددة بمساعدة أمريكية، فهذه المسألة تعبر فقط عن البندقية التي تؤديها بقرار من جهة أجنبية ولا تعبر عن حالة شعبية سورية، ولا عن الناس الموجودين في هذه المنطقة، إذا هذه الحالة تعبر عن استمرار تأدية أجندات، ونتمنى ألا يُزج أهلنا الأكراد في هذه الحالة، ونؤكد على هذه المسألة لأن هناك تميزاً بين المواطن الكردي العادي الموجود وبين هؤلاء الذين دخلوا باصطفافات سياسية أو عسكرية، أيضاً ليس هناك توافق سياسي حتى بين القوى السياسية الكردية، لأن هناك كثيرين منهم ضد ما يحصل الآن، وأيضا هناك بعض القوى الكردية القريبة من تركيا الآن، وبعض القوى قريبة من قوى إقليمية ثانية وبعض القوى وطنية حقيقية ومنتمية للشعب السوري، وباعتقادي إذا ذهبنا إلى مسألة انتظار التوافقات الدولية فيما يخص حالة «قسد» فسوف تؤدي إلى كوارث، أي أنه سيكون هناك عداء مستفحل مع دول المحيط، مع العراق، مع تركيا، مع إيران، مع سورية الدولة والشعب ومع الحالة العربية المحيطة سوف يكون هناك أزمة أكبر مما يتم الحديث عنه الآن، و في هذه المسألة نتمنى ألا تعمل الماكينات الإعلامية في أوروبا أو غيرها على استغلال الورقة الكردية، وفي طبيعة الحال هذه الإمبراطوريات الإعلامية ليست معبرة عن الواقع، مثلما حصل في الحالة السورية فهذه الإمبراطوريات الإعلامية لم تعبر عن الواقع بل عبرت عن أجندات خارجية.
وقالت كريدي: تعمل الحكمة الروسية على التشاور مع القوى الوطنية ومع الحكومة السورية، ويمكن أن تؤدي إلى مكان قابل للبناء عليه، وتبقى الأمور باحتمالية المؤتمرات مرحباً بها بصورة إيجابية لكن أيضاً بالعودة إلى فكرة مؤتمر في «حميميم» أو «سوتشي» أو أياً كان، أعتقد «أنه تجميع عدد كبير من الناس من دون وجود أرضية مباشرة للتعبير عن هؤلاء الناس سوف تخلق صعوبات كبيرة، ولاسيما أن هناك أصلاً ارتدادات للحالة السورية وصعوبة في فرز الناس، لذلك يجب أن تبنى أي فكرة حوار سياسي على أرضية سياسية وليست على أرضية شعبية، والخيارات الشعبية لا تدخل في تفصيل بناء الدولة»، لذلك الإنجازات الشعبية عليها الاستمرار في العداء للكيان الصهيوني والإصرار على الصراع العربي- الصهيوني، لأنه هو الصراع الوحيد الذي يعبِّر عن اصطفاف القوى الوطنية في المنطقة، لكن ضمن هذه التحركات أقول إن هناك قنوات تواصل وتفاهمات، لكن ليس هناك توافق بالشكل الكلي، وهذا هو منعكس كل هذا التنوع في المشاريع والأداء في رأيي يحتاج إلى مزيد من النضج وإعادة التفكير.
«الدولة الاتحادية» خطة غربية
وأضافت كريدي: هناك الكثير من الشائعات تدور حول فكرة «الدولة الاتحادية» ومحاولة «شرعنتها»، إلا أنها في الحقيقة خطة غربية أكثر من أنها خطة روسية، وبما أن الاتحاد الروسي لديه مساحات شاسعة قد نجح في إنتاج هذه الفكرة، لكن هناك اختلاف كلي في واقع الجغرافيا السورية والجغرافيا الروسية الممتدة، وهناك تناقض مابين بنية الدولة من الناحية الدينية وبين كثير من الجمهوريات المحيطة بالدولة التي هي في الأصل من الاتحاد الروسي، ولكن هذا غير موجود في سورية ولا توجد فيها مناطق تحمل ديموغرافيا محددة، ومن حيث المضمون، كل الأماكن في سورية فيها تنوع واختلاط وهناك عملية اندماج، ولا توجد فيها حالات فرز بهذه الصورة ولا توجد حالة عدائية بين الشعب السوري الذي مازال على أرضية انتماءات إثنية أو عرقية كلها حالات مفتعلة سياسية لا تعبر أبداً عن مشكلة، بدليل أن كل دوائر الدولة تضم موظفين من مختلف الأصناف.
وأوضحت كريدي أن الشعب السوري ليست لديه الرغبة في الذهاب في حالة الفصل، لذلك فكرة الدولة الاتحادية هي فكرة واسعة جدا على ما يحصل في سورية، وأن قانون الإدارة المحلية بكثير من الاحترام وتطبيقه بشكل جيد يكون كافياً ووافياً مع بعض التحسينات التي لا تمس أبداً النهج العام للعلاقة بين السوريين، وأضافت: لا أعتقد أن ما يطرح هو بسبب الجهل بالواقع الحقيقي للشعب السوري أو يطرح مقصوداً ضمن أجندات، ربما البعض يريد أن يضمن وجود «إسرائيل» لفترات طويلة وهناك الكثير من الاحتمالات لا أريد الخوض في اتهامات، لكن ما أعرفه عن واقع الشعب السوري أنه لايحتمل هذه الحدية التي تؤدي إلى هذا الشكل من أشكال التقسيم بل على العكس ربما لو حصلت هذه التقسيمات فسوف تؤسس لحرب أهلية لم تنشأ طوال السنوات السبع الماضية.

print