الواقع الميداني والسياسي الذي أنجزته الدولة السورية وحلفاؤها فرض محتوى ومعاني البيان المشترك الذي صدر عن الرئيسين بوتين وترامب في فييتنام، وحمل هذا البيان الرؤية السورية- الروسية، سواء في العمل العسكري أو السياسي وخاصة أن البيان الروسي- الأمريكي أبرز الاتفاق على أن محاربة الإرهاب هي الأولوية -هل يتذكر العالم أن سورية منذ بداية الأحداث تصر على أن هذه المهمة هي الأولوية- والأكثر أن الاتفاق بين بوتين وترامب أكد أن البحث في الحل السياسي، يجري بعد الانتهاء من القضاء على الإرهاب. وهذه رؤية سورية أساسية، حيث ترى الحكومة السورية أن بقاء الإرهاب يجعل أي مفاوضات أو أي بحث سياسي بلا معنى، والآن ها هو العالم عبر رئيسي البلدين الأعظم يتبينان هذه الرؤية- القضاء على الإرهاب أولاً ثم البحث في الإصلاح السياسي.
بالفعل البيان الأمريكي- الروسي الذي صدر عن لقاء بوتين- ترامب، تحدث عن (الإصلاح السياسي) ولا يتحدث عن «الانتقال السياسي»، كما أنه يؤكد أن مرجعية محادثات جنيف هي القرار 2254 ولا يذكر بيان جنيف في حزيران2012، وهذا ما يجعل البيان الموقع من بوتين وترامب بمنزلة مذكرة دولية تلغي وتتجاوز ما كان يطرح من قبيل ما يسمى (التنحي)- أو (نقل الصلاحيات الكاملة)، وما يقرره البيان بشأن القضاء على الإرهاب، فهو طبعاً ما تقوم به أساساً القوات المسلحة السورية، ويقرر أن (الإصلاح)، هو المسار السياسي الذي ينطلق بعد القضاء على الإرهاب.
الأمر الأساس الذي بني عليه اتفاق بوتين وترامب، ووثّق في البيان الصادر عنهما، هو سيادة سورية واستقلالها ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، وهذا تأكيد أمريكي- روسي، وإقرار بأن «التقسيم» مرفوض، و«الفيدرالية» لا مكان لها، وتأكيد وحدة الأرض وسيادة الدولة وسلامتها الإقليمية ينسف كل الطروحات التي تحاول بعض الجهات استغلال حالة الحرب لتكريسها والوصول إليها- وطبعاً ومنذ اللحظة الأولى رفضت الدولة السورية بشكل قاطع أي حديث عن «الفيدرالية»- ومنذ اللحظة الأولى، بنت الدولة السورية كل فعالية صمودها وحربها ضد الإرهاب والفوضى والمؤامرة، بسلاح الوحدة الوطنية- وحدة الأرض، ووحدة الشعب، ووحدة المؤسسات- وهذه الوحدة كانت الفعالية التي قهرت الإرهاب، وهذه الوحدة الوطنية كانت القوة التي هزمت المؤامرة، وهذه الوحدة الوطنية كانت الروح الجامعة للسوريين خلف دولتهم ورؤيتها للنصر ولحفظ سورية واحدة موحدة، والآن ها هي أمريكا وروسيا, تقران أن أساس كل أمر في سورية سواء كان عسكرياً للقضاء على الإرهاب، أو سياسياً للإصلاح، يقوم على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، ويستند إلى سيادة الدولة واستقلالها وسلامتها الإقليمية.
والسؤال: كيف ستقرأ «المعارضة» هذا الموقف للدولتين الأعظم؟ وهل ستفهم «المعارضة» حقائق الواقع التي دفعت حتى ترامب للإقرار بها في بيان رسمي اتفق عليه مع روسيا؟ وهل ستتمتع هذه «المعارضة» بالمنطق السياسي الذي يقوم على احترام الحقائق والانطلاق منها؟ أم إنها ستستمر في العمل وفق أوهام تشتهي كرسي السلطة ؟ وهل ستستمر حمى المطالبة بالحكم الحاكمة لأداء هذه «المعارضة»؟ وهل أصحاب الأمر ومن يدير هذه القوى «المعارضة»، سيمنعها من احترام الوقائع، والانخراط في العملية السياسية الممكنة للإسهام في تخليص الشعب السوري من معاناة الصراع، بعدما خلصته الدولة من المعاناة التي فرضها الإرهاب في أي بقعة حل؟ وهل صحيح أن ترامب كذاب، وليس لتوقيعه على البيان أي مردود في الواقع، لأن «الدولة العميقة» الأمريكية مازالت تناصب سورية العداء، وتكنّ لها كل سيئ وعدوان.؟!
إن الوقائع التي تجلت في الميدان السوري وحقائق قهر الإرهاب، وتقدم الدولة السورية ضد كل من يحمل السلاح خلافاً للقانون، والتعاون السوري- الروسي- الإيراني مع المقاومة اللبنانية، حققت النصر على الإرهاب، وهيأت لعملية إصلاح سياسي، يوصلنا الى الدولة الديمقراطية المدنية التعددية، وهذه هي الحقائق التي أملت على بوتين وترامب تفاصيل بيان اتفاقهما في فييتنام، وفي السياسة الحقائق هي الحاكمة.
Fouad.sherbaji@.gmail.com

print