بأمر من الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وابنه ولي العهد محمد بن سلمان، شهدت المملكة موجة اعتقالات وإقالات كبيرة طالت العديد من الأمراء والمسؤولين البارزين ورجال الأعمال، ويعود هذا الانقلاب الداخلي في جزء منه إلى مصادرة ممتلكات مالية ضخمة لمصلحة فرع سلمان من عائلة بني سعود، وربما يكون لاستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري القسرية ارتباط بذلك، والتي حظيت بتأييد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أورد ذلك مقال نشره موقع «موون أوف ألاباما» الأمريكي أكد فيه أنه تمت ملاحقة أحد عشر أميراً، بمن فيهم أبناء الملك الراحل عبدالله، واحتجاز أكثر من ثلاثين وزيراً حاليين وسابقين وكذلك رؤساء ثلاث محطات تلفزيونية رئيسة ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، إضافة إلى إعفاء قائد «الحرس الوطني» الأمير متعب بن عبدالله الذي حلَّ محله خالد بن عبد العزيز بن مقرن، علماً أن «الحرس الوطني» كان يمثل آخر مركز استخباراتي يسيطر عليه فرع الملك عبدالله من عائلة بني سعود.
وجاء في المقال: في عملية تطهير سابقة شهدتها المملكة في تموز الماضي تمت الإطاحة بولي العهد السابق محمد بن نايف والذي حل محله محمد بن سلمان لتتم بذلك إزالة فرع نايف من عائلة بني سعود من جميع مراكز السلطة وليلحق بها الآن فرع عبدالله، حيث تم استبدال المسؤولين المقالين بآخرين من فرع سلمان الحاكم وليقضي بذلك الملك السعودي وابنه على كل المنافسين المحتملين على السلطة في الداخل بما يتنافى مع «أنموذج الإجماع» الذي كان أساس حكم الأسرة المالكة على مدى القرن الماضي، وتعتمد عشرات الآلاف من العشائر والأشخاص على رعاية الأمراء والمسؤولين الذين جرت الإطاحة بهم وإزاحتهم.
إحدى نتائج ما يسمى «التطهير» هو تركيز الثروة في أيدي سلمان وابنه، حيث طالت حملة الاعتقالات الأمير الوليد بن طلال سادس أغنى رجل في العالم، جنباً إلى جنب مع بكر بن لادن الأخ غير الشقيق للإرهابي المعروف أسامة بن لادن، وخامس أغنى رجل في البلاد وهو رئيس مجلس إدارة مجموعة «بن لادن» للمقاولات.
الذريعة الرسمية المعلنة لحملة «للتطهير» هي «قصص فساد» تعود إلى عام 2009، وتسمح هذه الحيلة المالية للملك السعودي وابنه بمصادرة ثروة المتهمين التي تقدر بمليارات الدولارات، وقد تم تشكيل لجنة جديدة برئاسة بن سلمان لـ«مكافحة الفساد» وتتمتع هذه اللجنة بسلطة ديكتاتورية تمكنها من تجميد ومصادرة ما تعده من أصول مالية تستحق اهتمامها، ويجوز لها أن تتخذ ما تراه ضرورياً من تدابير للتعامل مع من تعدهم «متورطين في قضايا الفساد العام»، واتخاذ الإجراءات لمصادرة أموال المتهمين وأصولهم الثابتة والمنقولة في الداخل والخارج وإعادتها إلى خزينة المملكة وتسجيل الممتلكات والأصول باسم ممتلكات «الدولة».
الأحداث التي شهدتها الرياض وبيروت ما كانت لتحصل من دون موافقة الولايات المتحدة ودعمها، ففي أواخر تشرين الأول الماضي قام كبير مستشاري البيت الأبيض وهو صهر ترامب جاريد كوشنر بزيارة مفاجئة إلى السعودية، وعبر «تغريدة» أطلقها مؤخراً على «تويتر» حدد ترامب ثمن موافقته وتعاونه وقال: «سيقدر بشكل كبير جداً قيام السعودية بإدراج أسهم شركة أرامكو في بورصة نيويورك للأوراق المالية.. إن ذلك مهم جداً بالنسبة للولايات المتحدة» وذلك لأن إدراج شركة «أرامكو» في بورصة نيويورك يوفر للحكومة الأمريكية سلطة تنظيمية وقانونية على أكثر الشركات أهمية في العالم.
منذ تولي الملك سلمان حكم المملكة سيطر ابنه على زمام الأمور وشن حرباً على اليمن ودعم التنظيمات الإرهابية بما فيها «القاعدة وداعش» في سورية والعراق، وقسم «مجلس التعاون الخليجي» من خلال مهاجمة قطر، وها هو الآن يبدأ حرباً ضد المقاومة اللبنانية، ولاسيما أن تلك الهزائم التي مُني بها في كل من سورية واليمن والعراق لم تحقق أياً من أهدافها المرسومة.
ويمكن اعتبار «حركة تطهير» الأخيرة داخل المملكة تحركاً مشحوناً بالذعر، حيث فشلت كل مساعي بن سلمان في تحقيق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والديني للمملكة الذي كان قد أعلنه وسط استحسان المصفقين الغربيين، حيث تعيش المملكة حالة من الفوضى المالية والمقاومة الداخلية ضده وهي آخذة في النمو.
عندما نفذ هتلر حملة تطهير عنيفة طالت زعماء سياسيين في ألمانيا النازية عام 1934 فيما يعرف بـ «ليلة السكاكين الطويلة» كانت قوته السياسية في نمو مطرد والبلاد تعيش في سلام ومكانتها الدولية آخذة في الازدياد، وقد نما الاقتصاد وأيدته أغلبية الشعب، في حين تأتي محاكاة بن سلمان لتلك الليلة وسط فشل مخططاته، ومن المشكوك فيه أن ينجح في تحقيق ما يسعى إليه.
وفي تطور آخر، فقد سقطت طائرة سعودية كانت تقل مسؤولين حكوميين بارزين، بمن فيهم منصور بن مقرن نائب أمير منطقة عسير، في الخامس من الشهر الجاري في جنوب المملكة بالقرب من الحدود مع اليمن، ويأتي الحادث بعد أن اعترضت السعودية صاروخاً باليستياً أطلق من الأراضي اليمنية وسقط بالقرب من مطار الرياض الدولي في إطار تصاعد الحرب التي تشنها المملكة ضد الشعب اليمني وذلك وفقاً لما أورده موقع «زيرو هيدج».
وفي إطار حملة «مكافحة الفساد» المزعومة فإن المصارف السعودية قامت بتجميد حسابات المعتقلين، وأوضحت «رويترز» أن عدد الحسابات المتأثرة قد يصل إلى المئات، على الرغم من أن أسماء المتضررين لم يكشف عنها بعد، الأمر الذي سمح لولي العهد بتعزيز السيطرة على المملكة.
وبالنظر إلى أن الأمير الوليد بن طلال وحده لديه أكثر من 19 مليار دولار من الأصول، فإن المصارف المركزية المحلية قد وجدت «عن طريق المصادفة» طريقة فعالة لإعادة تعبئة حساب الاحتياطي الأجنبي المتناقص في السعودية، حيث انخفضت الاحتياطيات السعودية من ذروتها في عام 2014 بأكثر من ربع تريليون دولار نتيجة انخفاض أسعار الغاز بنسبة 50٪ تقريباً خلال السنوات الثلاث الماضية.
ومن المتوقع أن تصل قيمة الأصول المصادرة إلى 33 مليار دولار، حيث تقدر وكالة «بلومبرغ» الاقتصادية ثروة محمد العمودي بـ10.1 مليارات دولار، بينما تبلغ ثروة رجل الأعمال صالح كامل حوالي 2,3 مليار دولار، وفق مؤشر مجلة «فوربس» في عام 2017، وتقدر ثروة ناصر الطيار بـ600 مليون دولار، وبحسب «بلومبرغ» فقد جمع الطيار ثروته من «شركة الطيار للسفر» القابضة، وهي واحدة من أكبر وكالات السفر في السعودية، أما بكر بن لادن، فقد قدرت «فوربس» ثروته بحوالي 7 مليارات دولار في عام 2009، وتشير المواقع السعودية والعربية إلى أن ثروته ارتفعت خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت نفسه، ولمنع أفراد العائلة المالكة من الفرار بهدوء خارج البلاد، فإن قوات الأمن منعت في بعض المطارات السعودية مالكي الطائرات الخاصة من الإقلاع من دون تصريح.
وفي ظل توسع وامتداد حملة القمع، فقد وقع العديد من المحللين في حيرة من استهداف التكنوقراطيين مثل وزير الاقتصاد المخلوع عادل فقيه، إضافة إلى رجال الأعمال البارزين الذين تعول المملكة عليهم في تعزيز القطاع الخاص وفصل الاقتصاد عن النفط، وفي هذا الإطار قال روبرت جوردان السفير الأمريكي السابق لدى السعودية: «إن حملة مكافحة الفساد التي أطلقها ولي عهد السعودية، والتي تضمنت اعتقال الأمير الوليد بن طلال، كانت تقريباً تعادل اعتقال بيل غيتس».

print