لن تحار وأنت تتأمل أعمال الفنان محمود شاهين في استنباط الصيرورة التي آلت بالحوار بينه وبين منحوتاته إلى تلك الصيغ النهائية، فمُجرد التَّمعُّن في خوف تمثاله الخشبي سيُحيلك مُباشرةً إلى تلك الطاقة القصوى من الفعل الإبداعي في تقشير لحاء الشّجر لإنقاذ ذاك الكائن المُلتحِف بصمته، وكأن هناك ما يُشبه الإصغاءَ إلى ما تقوله أمُّنا الطبيعة، وامتثالاً لأوامرها تشكيلياً، فلا يهم إبراز التفاصيل والمنمنمات بقدر الوصول إلى أبسط صيغة للتكوين الكُلِّي وتعريض مساماته للضوء، فعملية التركيب الضوئي الإبداعية لا تكتمل عند شاهين من دون ذاك النَّبش في احتمالات الكُتَل بعلاقاتها مع الفراغ. الأمر ذاته ينطبق على منحوتاته من البوليستر، ربَّما مع تغيير في الاتجاه، بمعنى أن اشتغاله على الخشب وخياراته تأتي من داخل الخامة، بينما أعماله مِن البوليستر هو مَن يفرض عليها الشكل من دون أي إذعان للمادة، من غير أن يعني ذلك تغيير رؤيته النحتية، إذ يُركِّز في جُلِّ أعماله على التضاد الذي تخلقه الفراغات مع عناصر النحت الصلبة، ولا يكتفي بالفراغ المُحيط بالكتلة، بل يُكوِّن من انثناءات جسد الأنثى وتكوُّراته فراغات جديدة داخل الأشكال، يُحافظ من خلالها على التوازن المديد بين كتله وفراغاتها، مُعززاً مبدأي القوة والثبات في منحوتاته، ولاسيما أنه يؤسسها من خطوط مُنحنية لا انكسارات فيها، لكن بقدر ما هي منحنية من الخارج فإنها تتحدَّب إلى الداخل ضمن معادلة تخلق تضاداً ثرياً بين الضوء والعتمة، لتُشكِّل في النهاية أجساداً إنسانية مُبسَّطة قدر الإمكان، لكنها في الوقت ذاته غنية بتعبيريتها، فالنسبة ذاتها التي يُجادِل بها شاهين بين الكتلة والفراغ تتحقق في جدله بين الشكل والمضمون، إذ في الأغلب ما تبوح أعماله بآمالها وآلامها، وتبث همومها إلى المتلقي وكأنه يتقصد إكمال منحوتاته بتلك العلاقة المتينة مع مُشاهدِها، فالمرأة الريفية بثيابها التقليدية تُناجي الزَّمن المُثخَن بالأهوال، بينما تتكور أخريات مُبرزات مفاتنهن لكن مع خيبات دفينة فالالتفاف على الذات لا يخرج من كونه تماهياً مع ما يبثه المُبْدِع من ذاته باتجاه موضوعه ليتحوَّل هو الآخر إلى ذات من نوع آخر تدبُّ في أوصال الحياة بشكل موازٍ لحياة مثَّالِها.
معرض محمود شاهين الذي افتتح مؤخراً في صالة الآرت هاوس في دمشق يوازن فيه بين أعماله بنسبها الواقعية وأخرى لم تحافظ على تلك النسب بل تعامل معها بحرية فالجذع يستطيل في بعض المنحوتات بحيث تتمثل بعض الأعمال حالة التَّضرع إلى السَّماء، وفي أعمال ثانية تنثني الأطراف وتلتف من دون التزام بكلاسيكيات الشكل البشري وموازينه الدقيقة، كل ذلك في سبيل مزيد من التعبيرية، أضف إلى ذلك استخدام شاهين لتجريد الأشكال الإنسانية في كثير من أعماله ذات التواريخ القريبة، لكن بمعايير متزنة ومن دون إفراط في استخدام القيم التجريدية، مُتّخذاً أسلوباً وسطياً في المحاكاة بين النحت الكلاسيكي والتجريد، عبر تلاعبه بحيثيات الكتلة بما تذهب إليه المدارس الحديثة، بحيث يحقق ما يمكن أن نسميه تجريداً جزئياً ليس شاملاً، مُعطياً إيحاءات غنية بالمضمون الذي تقوم عليه أعماله، مع التركيز على القيم الجمالية، لتأتي معظم منحوتاته بما فيها النحت النافر «الرولييف» متناغمة تماماً من حيث الكتلة، وتوزيع الثقل، واختيار زاوية النظر، وعدم إغفال تلاحم العمل كوحدة فنية من حيث الموضوع والشكل والمادة.
bsnaij@yahoo.com

print