من حقِّ وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك أن يرفع الصوت عالياً عبر شاشة «الفضائية» قائلاً: بعض تجارنا يربحون عشرة أضعاف سعر السلعة.. ومن حقنا أن نزيد على كلام السيد الوزير بالقول: إن الغش تضاعف في أسواقنا بمقدار الربح الفاحش ذاته، وأصبح دخل المستهلك يلفظ أنفاسه الأخيرة في معركة «الغش والغلاء» المستمرة رغم المحاولات الفاشلة لوقف جولاتها حتى اليوم.
الجميع يعترف «في القاعات المغلقة» بجزء من المشكلة ليدفع عن كاهله التقصير في ضبط الأسواق وتنظيفها من المواد الغذائية الفاسدة التي أصبحت اليوم تحتاج جرافات وشاحنات لنقلها من بين أيادي المستهلكين إلى مكبات القمامة.. لكن أحداً لم يسأل نفسه: من الذي يجرؤ على المتاجرة بأطنان من المواد الغذائية الفاسدة وتوزيعها على الأسواق والمحلات التجارية في المحافظات من دون أن يخاف من القانون؟.
سمعنا مؤخراً أصواتاً أخرى خرجت من جمعية حماية المستهلك تعلن أن 40 % من المواد في أسواقنا مغشوشة ..! وردود تؤكد أن الغش يسرح ويمرح بيننا منذ نصف قرن.. وما بين هذا القول وذاك الرد, من يرأف بالمستهلك المسكين الذي يلف السوق كله عدة مرات بحثاً عن سلعة رخيصة ليشتريها من دون أن يعرف أنها مغشوشة أو فاسدة، وأنه جلب البلاء إلى أطفاله بيديه.
لن نقول: إن الغش أصبح شبكة من الأفراد والأدوات, لكن الحقيقة الوحيدة التي يمكن البوح بها هنا أن هذه الشبكة تعمل خارج القانون وسط أسواق مفتوحة ليل نهار ومؤسسات مرخصة وفق الأنظمة المرعية, وتجول عناصر الضابطة العدلية في أماكن استيطانه حاملة مهمات رسمية من المفروض أن تكون قادرة على تنظيف الأسواق والمؤسسات والمتاجر والصيدليات والمطاعم المخالفة من جميع الغشاشين وجعلهم عبرة لمن يعتبر.. ومع ذلك يتكاثرون..!
ملاحظة: ما دفعني لتكرار الكتابة عن الغش نصيحة أحد البائعين لي بألا اشتري حليب أطفال مجففاً من ماركة مشهورة جداً لأن ظروفه «منتهية الصلاحية» بمعنى فاسدة ..! وانطلاقاً من واجبي المهني أبلغ عن هذه «الجريمة الصحية», وأتمنى على حماية المستهلك أن تتابع مهامها لعلّها تفلح هذه المرة.

print