ثمة وجوه طافحة، تشعر من تأملاتك الأولى إليها بتنعمها، وجوه مريحة أكثر ما يشدّك عيونها الواسعة بقزحياتها الزرقاء، ثم بما يُحيط تلك الوجوه من ألوان حارة وهي تجاور البارد ليس لأجل التضاد، وإنما لاكتمال مهرجان الألوان، بما يُغطي الرأس. ذلك أول الملامح التي يُمكن أن يتلمسها المتلقي للوحة الفنانة التشكيلية سلام الأحمد, التي تُشارك هذه الأيام في أكثر من معرضٍ تشكيلي، وفي غير محافظة سورية.
من أزمنة مختلفة
هذه الفنانة المُغرمة بالمشاركات الجماعية، التي وصلت لأكثر من ثلاثين معرضاً مشتركاً؛ يُمكن أن نقرأ في لوحتها أكثر من مرجعية، مرجعيات فنية ولونية تجد إشارتها غرباً وشرقاً، لتكوّن من خلال هذه المرجعيات، أو لتبني عليها نتاجها المُغاير. فسلام الأحمد تأخذ من فنون الشرق الكثير من المنمنمات والزخرفة، وحتى صرامة الهندسة؛ ليأخذك الأمر، وكأنّ لوحة هذه الفنانة طالعة تواً من مقامات الحريري الذي صوّر رسوماتها يحيى بن محمود الواسطي أواخر الخلافة العباسية، وإذا ما نظرت أو تأملت في العيون، فسرعان ما تأخذك صوب «نفرتيتي» وعشرات «الفرعونيات» ذوات العيون الواسعة المُدهشة في ثبات نظراتها. ولا تكتفي الأحمد بذلك فمن خلال المهرجان الذي تُقيمه لألوانها الواضحة والصريحة لدرجة المُغامرة والجرأة أحياناً؛ فالشعور الذي ينتابك هنا، هو الدخول في حالة زخرفية والإيحاء اللامتناهي الذي سعت إليه الزخرفة ولاسيما في غطاء الرأس الذي هو الآخر لا يكتفي بانتماءٍ لزمن واحد.
جماليات الانزياح
ذلك ما تُوحي به تلك الملامح الشرقية القادمة من أزمنة مختلفة تتباعد فيما بينها سواء لجهة التكوين، أو لجهة التلوين. غير أن ذلك التراكم الفني الشرقي ستدخله الأحمد في مُختبر اللوحة المُعاصرة من خلال أكثر من تقنية وتأثر، ولاسيما في محورين؛ بذلك الإحساس بالرسم الكرتوني الذي لا يُعطي الكثير من الأهمية للأبعاد والمقاييس الواقعية، الأمر الذي يُخفف كثيراً من جدية الزخرفة وثبات التماثيل القديمة وهيبتها، وكأنها تُكامل لوحتها ما بين جدٍّ وهزل، والمحور الثاني قوة خطوط اللوحة وصراحة الألوان، وأحياناً التركيز على اللون الواحد واستثمار كل معطياته وقيمه اللونية وتدرجاته ولاسيما ما ظهر في لوحتها من ألوان الأخضر والأزرق.

كل تلك التأثيرات، من الغرب والشرق؛ يُزيد في غنى لوحة سلام الأحمد، ويُعطيها الكثير من خيارات الصياغة والعمارة التشكيلية، ومع ذلك فإن الأحمد اختارت من كل ذلك ما يوحي بـ«البساطة» إن صحّ التعبير، أو إن صحت القراءة بحيث تصل إلى مُعادلتها الفنية من دون تعقيد، تماماً كما الشاعر الذي يُزيح الكلمات من سياقاتها المُعتادة، سياقات ملّت المفردات ذاتها من كثرة وطول المدة التي استخدمت فيها في تلك السياقات، ومن ثم كان عليها أن تضعها في سياقات جديدة ولغايات مختلفة، وهنا يكمن الإبداع, بأن تُفاجئ الواقع، على ما ترى الأديبة الفرنسية فرانسواز ساغان في مهمة الفن.

الوجه كحامل للجمال
كل ذلك الشغل الفني ترصده في لوحة الأحمد بما كرست لأجله – إلى حدٍّ بعيد – لوحتها، أو نتاجها التشكيلي، وهو الوجوه والبورتريه، حتى كاد الوجه أن يكون ذريعة لتقديم رؤيتها الفنية، أو حاملاً لها، وهو ليس أي وجه، بل هو وجه المرأة على وجه الخصوص مع كل ما يوحي ذلك من شواغل جمالية ورمزية لغاية الوصول للمتعة البصرية الخالصة، التي هي غاية كل إبداع، بما اشتغلت عليه في جوهر الفن؛ الذي هو إبداع موضوعات جديدة، ولدت من التحطيم والحذف المُسبق للموضوعات الواقعية، وهذا يعني أن الفن؛ هو غير واقعي بشكلٍ مُضاعف، أولاً لأنه غير واقعي، ولأنه شيء مختلف عن الواقع – على ما يرى الكثير من النقاد- وثانياً لأن هذا الشيء المختلف والجديد هو الموضوع الجمالي، ولأن السبب الثاني يأتي دائماً بعد السبب الأول؛ فإن مساحات الجمال تبدأ من نهايات العالم الواقعي. وأغلب الظن؛ هذا ما سعت إليه الفنانة الأحمد على مدى بياض اللوحة. وهو ما يُمكن أن نقرأه في مسألة عدم الحسم في المسافة بين المُبدع ونتاجه الإبداعي، بل كثيراً ما يكون الإبداع؛ هو المُبدع نفسه، بل هو الجانب الجمالي الأكثر رهافةً لديه، ومثل هذا التعالق بين المُبدع ونتاجه؛ أكثرُ ما نجده في لوحات هذه الفنانة. في محاولاتها لإيجاد «شخصية» تُميز لوحاتها وتعطيها هوية خاصة بها؛ في هذا التشكيل العفوي الذي يوحي وكأنه نتاج تخيلات الأطفال ذات الأمداء التي لا حدود لها. هنا ثمة ما يُمكن أن يتلمسه مُتلقي لوحة سلام الأحمد في هذا التعاطف مع اللوحة تماماً كمن يرسم «الأنا» بكامل المشاعر الطفلية، وهذا ما تُشير إليه المقارنة بين وضعيات صورها الشخصية التي تُحب أن تأخذها لنفسها، وبين وجوه الشخصيات التي تتناولها في لوحاتها، حتى لتبدو وجهاً واحداً تنوّع عليه جمالياتٍ مختلفة في كل مرة، تماماً كمن يأخذ لنفسه صوراً متعددة في أماكن مختلفة. وعندما نتحدث عن طفولية في العمل الفني، فلا نعني بذلك الفطرية أي الإبداع التلقائي، وإنما في اتجاهها نحو الانفلات من إطار الصياغة الواقعية والأكاديمية للوصول إلى اللوحة الحكاية اللونية. أحياناً – إلى حدٍّ بعيد – تقترب من صور الحريم والشرقيات التي كان يقدمها الكثير من الفنانين الأوروبيين عن نساء الشرق في زمنٍ مضى. باختصار الفنانة سلام الأحمد تكاد تسعى في صياغاتها الفنية لجمع «المُضادات» للتناغم والتكامل بالتقاء كل تلك التأثيرات والمرجعيات المختلفة في مهرجان اللوحة الواحدة.

print