انتشرت منذ سنوات قليلة في دمشق ظاهرة تزيين الشوارع وأسوار المدارس بالفنون التشكيلية رسماً وحفراً وتلويناً، ولاقت الظاهرة – ككل شيء جديد– مؤيدين ومعارضين لها، لكن الجمالية التي أضفتها تلك الظاهرة على الأماكن التي ازدانت بها جعلت تجربتها محمودة من الأغلبية، خاصة أنها جاءت في وقت يتربع فيه الدم والخراب على عرش المشاهدات البصرية سواء المباشرة أو عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
ظاهرة ممتازة
(تشرين) التقت مجموعة من المواطنين واستطلعت آراءهم في الموضوع، فقالت الطالبة الجامعية سمر غريب إنها ظاهرة ممتازة، وحبذا لو تعمم في كل شوارع دمشق والمحافظات السورية الأخرى، لتضفي على الشوارع الحزينة مسحةً من الجمال إضافة إلى أنها تمنع المخربين وأصحاب الاذى من الكتابة على جدران المدارس، خاصة أن الكثير مما يكتبونه منافٍ للأدب والأخلاق.
عبد السلام العاني قال: إن تزيين أسوار المدارس عمل ممتاز، فبدلاً من أن يقرأ الطفل إعلانات مكياج وحفلات ومنتجات غذائية، سيرى عملاً فنياً جميلاً قد يحفز فيه الرغبة لتقليد الجمال، وهذا التقليد ليس بالضرورة أن يكون تقليداً من الجنس ذاته، بل ربما ينعكس ترتيباً في المنزل أو في المدرسة لأن الجمال معدٍ وعدواه تنتشر بسرعة كبيرة.
وتأكيداً للكلام السابق، قالت المدرسة سميرة علوان: إن نفسية الطلبة تغيرت بشكل واضح بعد أن التحقوا بالمدرسة ورأوا سورها مرسوماً ومنحوتاً بهذه الطريقة الجميلة، والكثير منهم صار يريد أن يزيّن الصفوف بالطريقة ذاتها أو بطريقة أبسط، وصار هناك اهتمام أكبر من قبلهم بحصة الرسم، وأنتجوا رسومات جديدة وغريبة تحاكي الطريقة التي زُيّن بها سور المدرسة، وهذا يؤكد أن تزيين أسوار المدارس له نتائج إيجابية آنية ومستقبلية.
الرأي الآخر
أما الانتقادات التي وجهت، فكان معظمها يصب في رؤية أعمال التزيين هدراً لأموال المدارس التي تحتاج الكثير من الخدمات، فعبد الخالق برو يقول ما معنى أن تصرف أموال على تزيين أسوار المدارس وفي داخل المدرسة يجلس كل ثلاثة طلاب في مقعد واحد؟! أليس الأولى زيادة عدد الشُعب أو المقاعد ليرتاح الطالب خلال دوامه الطويل وينحصر تفكيره فيما يسمعه من المعلم أو المدرس؟
والانتقاد ذاته ساقته أم طالب إعدادي قالت إنها تقضي الشتاء قلقة على صحة ابنها من البرد داخل صف المدرسة، لأن المدفأة تعمل فقط وقتاً قليلاً لتوفير مادة المازوت، لذا فإن صرف الأموال على التزيين لا معنى له، ومن الواجب زيادة الإنفاق على التدفئة، خاصة في حال حدوث موجات الصقيع التي تتكرر كثيراً خلال فصل الشتاء.
فريق «إيقاع الحياة»
وللحديث عن الموضوع من القائمين على تنفيذ الكثير من هذه اللوحات الفنية، التقت تشرين مدرسة الفنون في المركز التربوي للفنون التشكيلية والفنانة تشكيلية العضو في اتحاد الفنانين التشكيليين صفاء وبّي التي شاركت في أغلبية الأعمال التزيينية المنفذة في مدارس دمشق وشوارعها، ضمن فريق «ايقاع الحياة» ، فأوضحت أن الهدف الأساس من محاولة نشر هذه الظاهرة هو تنمية الذائقة الفنية عند الناس بمختلف أعمالهم وتوجهاتهم، وزرع البسمة على وجوهههم خاصة الطلاب عندما يكون العمل على أسوار المدارس.
مضيفة أنهم كفريق عمل تقصدوا البدء بهذه الحملة مع بدايات الحرب على سورية، ليرى الناس أن هناك من يبني أيضاً، وهناك من يجمّل، ولتكوين فكرة مضادة للقبح والدمار.
وتابعت الفنانة وبّي أنها كأنثى أرادات من خلال هذا العمل الذي لم تمنعهم عنه القذائف أن تبرز دور الأنثى إلى جانب الرجل في عمليه البناء وفي الصمود،.
ومن ناحية أخرى، فإن الفنانين يوصفون دوماً بالنرجسية، والعمل في الشارع وبين الناس يكذّب هذا التصور الاستباقي، إذ إنه خلال العمل يكون الفنان قريباً من الناس، يحادثهم ويتقبل رأيهم، مضيفة أنهم كانوا يستمعون لملاحظات الجميع ويشرحون لهم عن الفن وتاريخه، لدرجة أن بعضهم صاروا أصدقاء للفريق.

جداريات ومنحوتات
ومن الأعمال التي قاموا بها: جدارية التجارة الملاصقة للمركز التربوي للفنون التشكيلية، وجدارية المزة التي دخلت موسوعة غينيس، ثم جدارية الصحة العالمية في ساحة شمدين، وجدارية (إسمنت ولون) في حي القصور الملاصقة لمتحف العلوم، ونحت الشجرتين اليابستين في حديقة المنشية الذي سمي (سوريانا)، وجدارية دار السلام التي يعمل عليها الفريق حالياً وهي عن الاكتئاب والصحة النفسية.
وختمت الفنانة وبّي بأن أغلبية هذه المشاريع برعاية وزارة التربية، وهي أعمال تطوعية.

print