لم تكن ملايين الليرات التي تم الرمي بها على الهياكل البنائية والتجهيزات الطبية للمراكز الصحية المنتشرة على مساحة المحافظة إلا هدراً مالياً لا أكثر، ولاسيما إذا علمنا أن هذه المراكز التي يتجاوز عددها /90/ مركزاً صحياً لم تستطع حتى هذا التاريخ أن تزرع عند مواطني المحافظة الثقة العلاجية والإسعافية المطلوبة، فالمتتبع لواقعها الطبي سيلحظ أن هذه المراكز (المتخمة) بالكوادر التمريضية كانت ومازالت بشهادة 80% من مواطني المحافظة مجرد مراكز فاخرة بمنظرها الخارجي، ولكنها فارغة بمحتواها الطبي والعلاجي، وبجولة اطلاعية سريعة عليها سيكتشف زائرها ومن دون أدنى شك أنها مراكز استقبالية لمرضى الدرجة (العاشرة) «سعال- وجع رأس- قلع ضرس»، علماً أن هذه الصروح الطبية لم يتم إحداثها لمجرد (البروظة) الإنشائية، بل بهدف العلاج الطبي والإسعافي، لكن وللأسف الشديد وضمن تجهيزاتها الطبية (المتهالكة) لم تستطع على الإطلاق أن تكون الرديف العلاجي لمشافي المحافظة، وما الضغط الذي يشهده مشفى السويداء إلا أكبر دليل على ذلك.
إنجازاتها العلاجية /صفر/
المتصفح للسجل العلاجي لهذه المراكز بدءاً من الصورة الكبيرة شمالاً وانتهاء بالغاربة جنوباً سيخرج بالتأكيد بنتيجة سلبية، كيف لا وصفحات هذه المراكز الإسعافية لم يدوّن عليها حتى هذا التاريخ أي إنجاز طبي يُحسب لها، وهذا بكل صراحة، ووفق عدد من المواطنين، ما أبقاها خارج دائرة (الموثوقية) الطبية والعلاجية، ما دفع بمواطني المحافظة لتصنيفها ضمن سجلات (الإعاقة) العلاجية، فلغة التمني والرجاء مازالت لغة المواطنين الأساسية لكون هذه المراكز، ووفق أبو أمير وأبو أنس وأم دريد وغيرهم الكثير لم تستطع وضمن كادرها الطبي المحدود وتجهيزاتها الطبية المتواضعة أن تضع حداً لأوجاعهم وآلامهم الجسدية، كيف لا و80% من هذه المراكز ليس في مقدورها (فكّ شيفرة) الألغاز المرضية وتسكين الأوجاع الجسدية عند مراجعي هذه المراكز، فالحلول الإسعافية لدى هذه المراكز تقتصر فقط على تقديم مسكّن لوجع الرأس وخافض للحرارة، إضافة إلى بعض الإسعافات الأولية كالضماد، وهناك بعض المراكز تقوم بإجراء بعض التحاليل الأولية لتبقى التحاليل المخبرية المهمة خارج نطاق جدرانها الإسعافية.
والمسألة المهمة التي لم يغفلها مراجعو هذه المراكز أن معظم هذه المراكز والنقاط الطبية تفتقد أطباء اختصاصيين وإن وُجد الطبيب فيكون دوامه مقتصراً على يوم واحد، وهنا لابدّ لنا من أن نقول: ما فائدة (المحرس بلا حارس) عدا عن ذلك فوجود طبيب واحد لا يلبي الغاية المرجوة منه لأنه لا يستطيع إجراء فحوصات طبية دقيقة لكل مراجعي المراكز من أطفال ونساء ومسنين، وبالعربي الفصيح إن فرز طبيب إلى المراكز الصحية ما هو إلا (ضحك على الذقون).
ويقترح من التقيناهم، ولكي تصبح هذه المراكز ذات قيمة طبية وعلاجية مفيدة رفدها، أي هذه المراكز بأجهزة علاجية وصحية حديثة، ناهيك بتعيين أطباء دائمين فيها، مع تزويدها بدواء نوعي وليس عادياً.
إضافة لذلك ونتيجة وجود قرى بعيدة عن مركز المدينة، ولاسيما أن الطرق ليلاً من هذه القرى إلى مدينة السويداء باتت غير آمنة فيطالب المواطنون بإلزام عدد من المراكز بالمناوبة ليلاً مع وضع طبيب وممرض وتأمين بعض الأدوية اللازمة كاللقاحات المضادة للسعة العقارب والأفاعي وما أكثرها في فصل الصيف والمصل المضاد لداء الكَلَب لكون هذه اللقاحات غير متوافرة سوى في مشفى السويداء الوطني.
ويضيف هؤلاء المواطنون أن هذه المراكز وضمن واقعها الحالي تبقى مراكز علاجية مع وقف التنفيذ، عدا عن ذلك لم يخفِ علينا مواطنو المحافظة حاجة هذه المراكز إلى مخابر حديثة قادرة على إجراء كل التحاليل المخبرية المطلوبة، ولاسيما إذا علمنا أن المخابر الموجودة في بعض المراكز الصحية مازالت تحاليلها محدودة وعادية جداً، طبعاً تطعيم هذه المراكز بمخابر وأجهزة حديثة حتى ولو كانت هذه التحاليل بأجور رمزية (سينتشل) المرضى من (مستنقع) الاستقلال المالي المنصوب لهم من قبل أصحاب المخابر الخاصة، فعلى الرغم من وجود /90/ مركزاً صحياً و/3/ مشاف حكومية على مساحة المحافظة فمازال المرضى يئنون وجعاً جسدياً ومادياً من جراء أطماع وجشع المشافي الخاصة والأطباء، فهذه الصروح الطبية مجتمعة لم تنهِ معاناة المرضى مع أطباء القطاع الخاص، والسؤال الفارض نفسه هنا: هل ملايين الليرات التي أنفقت على هذه المراكز الصحية كانت فقط لمجرد تسجيل إنجازات طبية؟ أم من أجل علاج المرضى والتخفيف من أوجاعهم الجسدية طبعاً من أجل التخفيف من آلامهم وأوجاعهم، إذاً فقد بات حرياً بالمسؤولين عن القطاع الصحي تفعيل عمل هذه المراكز من خلال رفدها بالكوادر الطبية الاختصاصية والأدوية النوعية والأجهزة الحديثة وتخليص المواطن من الاستغلال الطبي اللازم له منذ سنوات.
حال يرثى لها
ما تخفيه المراكز الصحية ضمن دواخلها من أهمية إسعافية وعلاجية من الواضح قد أذرته (الرياح) لكون زائرها من المرضى مفقود العلاج والدواء والخارج مولود البقاء، فالداخل إليها كما الخارج منها.
«تشرين» استطلعت آراء عدد من رؤساء الوحدات الإدارية ولاسيما التي تحتضن هذه المراكز، والبداية كانت من قرية بكا جنوباً، فمركزها الصحي -ووفق رئيس البلدية بيان حديفة- مازالت خدماته الطبية والعلاجية والإسعافية دون المطلوب، فالتحاليل المخبرية ضمن هذا المركز محصورة فقط بمرضى السكري، لكن هذه التحاليل حالياً باتت مع وقف التنفيذ لعدم توافر شرائح للسكر، أما التحاليل الأخرى فيتطلب إجراؤها إما الذهاب إلى مشفى السويداء الوطني وإما إلى مخبر خاص، إضافة إلى ذلك فالعيادة السنية لدى المركز يقتصر عمل القائمين عليها على قلع (الأضراس المضروبة) فقط، بينما تصليح الأضراس فهو مشطوب من سجل هذه العيادة، وهنا لابد لنا من أن نقول –وهذا الكلام لنا- ما فائدة إحداث هذه العيادة إذاً ولاسيما إذا علمنا أن تكلفة تصليح الأسنان والأضراس لدى القطاع الخاص باتت مكلفة وتحتاج إلى ميزانية مالية خاصة بذلك؟
وبالعودة إلى رئيس البلدية نرى –وعلى لسانه- أن الأدوية النوعية معدومة تماماً من صيدلية المركز، ولاسيما دواء منظم السكر، وأن الأدوية المتوافرة هي فقط (الالتهاب والسيتامول) وهذه الأخرى غير كافية، طبعاً المسألة المهمة التي لم يخفها رئيس البلدية هي مطالبة أهالي القرية بضرورة توفير الأدوية واللقاحات المضادة للسعة العقارب والأفاعي واللقاءات المضادة لداء الكَلَب لكون قريتهم حدودية، ومن المتعذر على المريض الوصول ليلاً إلى مشفى السويداء الوطني.
طبعاً، ما جاء به رئيس بلدية بكا، لم يختلف كثيراً عما قاله رئيس بلدية الصورة الصغيرة المهندس طلال الحلبي، ولاسيما فيما يخص الخدمات الطبية والإسعافية المقدمة من مركز الصورة الصحي الذي مازال سجله الدوائي مدونة عليه أدوية السيتامول والالتهاب وبعض أدوية السكري، علماً أن هذه الأدوية كمياتها الموردة قليلة ولا تلبي الحاجة الإسعافية المطلوبة، فطبعاً وللنهوض بهذا المركز طبياً يجب رفده بأدوية نوعية كأدوية القلب والسكري والحمى المالطية وبعض الأدوية النوعية، إضافة لذلك –وهذا الأهم- هو وجود طبيب دائم مع تطعيم المركز بمخبر لإجراء التحاليل الطبية، ليُصار إلى تشخيص المرض لأن معظم المراكز الصحية غير قادرة على تشخيص الأمراض، فأغلب المراجعين يحصلون فقط على حبة دواء مسكنة أو حبة للالتهاب فقط أو قيام الكادر التمريضي فقط بتضميد بعض الجروح الطفيفة، فالجرح (العميق) يبقى المركز عاجزاً عن تضميده أمام إمكاناته المتواضعة، فمثل هذه الجروح وجهة المصاب بها المشفى دائماً، بينما المركز الصحي في قرية لاهثة –ووفق رئيس البلدية خليل الباشا- بحاجة إلى (مخبري) لتشغيل المخبر الموجود في المركز لكون تفعيله متوقفاً على تعيين هذا المخبري في هذا المركز، والسؤال المطروح هنا: مادام هناك مخبر، فلماذا إذاً لا تقوم مديرية صحة السويداء بتعيين مخبري لتشغيله؟ إضافة إلى ذلك فالجهاز الخاص بتحليل السكر مازال مع وقف التنفيذ الطبي من جراء عدم توافر شرائح السكر في المركز، وهذا ما يرغم المرضى على الذهاب إلى المخابر الخاصة. والمسألة التي لابدّ من ذكرها، ولاسيما بالنسبة للمخبر أن أدواته متوافرة وتشغيله متوقف فقط على تعيين مخبري فقط، والعيادة السنية كغيرها من العيادات يقتصر عملها على قلع الأضراس فقط، وكذلك يطالب أهالي القرية بتوفير الأدوية المضادة للسعة العقارب والأفاعي.
إذاً، المتتبع لواقع كل المراكز الصحية سيلحظ أن المعاناة واحدة، فها هو رئيس بلدية شقا عصام أبو يحيا يقول: إن مرضى السكري على مساحة البلدة يعانون من عدم قدرة القائمين على إدارة المركز من إجراء تحاليل للسكر لعدم توافر شرائح لقياس السكر، واللافت أن هذه الشرائح (مشطوبة) من معظم سجلات المراكز الصحية، وهذا المطلب نضعه برسم وزارة الصحة، إضافة إلى ما ذُكر فالمخبر لدى مركز شقا الصحي مغلقة أبوابه التحليلية لعدم وجود فني مخبري، وهذه المشكلة، أي عدم توافر مخبري، يبدو أنها متكررة في عدد من المراكز، والنقطة الثانية هي عدم توافر الأدوية بالشكل الكافي.ولكون لائحة النواقص مازالت مملوءة، فهناك بعض المراكز مازال مرضاها يئنون ألماً من جراء عدم توافر الطبيب الاختصاصي، وخير مثال على ذلك، مركز مدينة شهبا الذي تحتضن مساحته مركزاً للتوليد، لكنه، وللأسف الشديد، غير (مطعم) بطبيب توليد، فالحالات المستعصية طريقها الدائم مشفى السويداء، فمعظم العاملين فيه هم ممرضات، أي قابلات، وهذا غير كاف، والمركز خالٍ تماماً من اللقاحات الخاصة بحديثي الولادة، وأي مولود سيضطر ذووه للذهاب به إلى المشفى للحصول على اللقاح اللازم والضروري، فضلاً عن ذلك فتأمين طبيب لدى مركز شهبا قد يخفف الأعباء عن المشفى الوطني في مدينة السويداء.
والمسألة الأخرى التي من الواجب طرحها أن معظم المراكز الصحية، ولاسيما الواقع منها ضمن القرى الحدودية مازالت غير مجهزة بالمستلزمات الطبية الحديثة، ومازالت تُدار علاجياً من دون طبيب معالج أو اختصاصي، واللافت أيضاً خلو هذه المراكز من غرف للمعاينة وعيادات للأطفال.
ماذا تقول مديرية الصحة؟
بدورنا قمنا بمخاطبة مدير صحة السويداء في تاريخ 23/7/2017 لموافاتنا بتقرير واقع عمل هذه المراكز، وعن السبب وراء نقص الأدوية ليأتي الرد في تاريخ 6/8/2017 إذ جاء سطحياً يضم فقط عدد المراكز الصحية المحدثة على مساحة المحافظة، ومهام المراكز الصحية فقط، أي هذه المراكز خدماتها رعاية صحية أولية وقائية بنسبة 75%.
أخيراً
إذاً من خلال ما تقدم نستنتج أن هذه المراكز لم تكتسب من اسمها سوى اللوحة المعلقة على جدرانها الأمامية، فمضمونها العلاجي يبقى اسمياً أمام تجهيزاتها القديمة وكوادرها الطبية المحدودة وأدويتها البدائية.
والسؤال الملقى به بقوة: لماذا لا يتم إيلاء هذه المراكز لمسة اهتمامية من قبل حاضنتها الأساسية، ألا وهي وزارة الصحة؟ والسؤال الثاني: هل من المعقول والمنطق أن هذه المراكز تُقفل أبوابها عند الساعة الثالثة والنصف؟ فالمريض الذي يحتاج إلى إبرة اضطرارية بعد الظهر ما عليه سوى الذهاب إلى عيادة طبيب لكي يحصل عليها، فمن المفترض تفعيل مبدأ المناوبات الليلية لهذه المراكز، مع رفدها بكل أنواع الأدوية.
وفي النهاية، هذه المراكز باتت خدماتها تقتصر على الإسعافات البسيطة والتثقيف الصحي واللقاحات والمعالجة السنية اختصاص (قلع)، ما يدل على أن علاجاتها الطبية الفعلية كانت ومازالت صفراً، وأن حاملي الأوجاع الجسدية المزمنة مازالوا خارج تغطيتها العلاجية.

print