بعد عدة جولات على أقواس المحاكم ومحاورة الأهالي وهم يفترشون الأرصفة والحدائق وباحات قصور العدل جادت ألسنة بعض المراجعين لمحكمة الإرهاب والمتقاضين في أروقة وزارة العدل ومحاكم مدينة دمشق وريفها ممن التقيناهم بالرضا والثناء وسرعة البت، بينما أبدى البعض شكوكاً وتخوفاً حيث كانت العبارة الأكثر إجماعاً عليها «لا يصلح العطار ما أفسده الزمن» ولن يستطيع مبضع المستشار الشعار استئصال أورام القضاء لأن هناك متضررين كثراً من علاجها وشفائها، ولكن اللافت هو رضى أغلبية المحامين فهم الأقدر على سبر حال المتقاضين والمراجعين بعد جولات ميدانية لوزير العدل على قصور العدل والاستماع إلى هموم المراجعين وسلسلة قرارات وتنقلات طالت كبار المدعومين أثبتت منذ اليوم الأول صحتها، لأنه تتلمذ وتخضرم من أوجاع العباد بين أروقة وأقواس المحاكم، بينما رأى البعض الآخر عدم التسرع بالحكم الإيجابي لأن «شروش الفساد عميقة ولا يمكن بترها بجرة قلم أو بحفنة قرارات، وبعد استخلاص هواجس المراجعين والباحثين عن أمل برفع الضيم عنهم ورد الحيف لكراماتهم.حاورنا القاضي المستشار وزير العدل هشام الشعار الذي نسجل له سعة صدره وسرعة الاستجابة لأسئلة «تشرين» وإصراره على تنقية مفاصل وزارة العدل لكل من يسيء لقدسية العدالة والبداية من الإرهاب.
•تعلمون أن المجموعات الإرهابية استهدفت قصور العدل والمحاكم التي تضم ملايين الوثائق التي تثبت حقوق المواطنين، وكذلك أرشيف الدعاوى والمحاكم المتعلق بها, كيف تعاملت الوزارة مع هذا الملف الذي ينطوي على مخاطر وحسابات شائكة ومعقدة؟
•• منذ بداية الأزمة في سورية عام 2011 كانت قصور العدل من أول المرافق العامة التي تعرضت للتخريب والحرق والتدمير من قبل العصابات الإرهابية المسلحة، وكلنا يذكر حادثة إحراق القصر العدلي في درعا في الأيام الأولى للأزمة، ثم توالت هذه الاعتداءات على القصور العدلية والمجمعات القضائية التابعة لها في عدد من المحافظات السورية، كما حدث في القصر العدلي في حلب والقصر العدلي في إدلب والرقة وحمص وغيرها.
ومنذ اليوم الأول لهذه الاعتداءات عمدت وزارة العدل إلى اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة للحفاظ على الوثائق العدلية كالأحكام القضائية وأضابير الدعاوى ووثائق الكاتب بالعدل، إلا أن يد الإجرام طالت في الكثير من الأحيان هذه الوثائق ما أدى إلى حرقها أو تلفها أو حتى تزويرها، لذلك وحرصاً من وزارة العدل على استمرارية العملية القضائية في كل أرجاء الجمهورية العربية السورية فقد قامت بداية بتأمين مقرات بديلة أكثر أمناً لقصور العدل في المناطق الساخنة، كما قامت الوزارة بترميم الدعاوى التالفة أو المفقودة بما توافر لدى المحكمة من وثائق، كذلك قامت الوزارة بنقل العديد من الدعاوى من محافظة إلى أخرى بهدف استمرار السير في هذه الدعاوى نظراً للظروف الأمنية السائدة، التي قد تعوق إمكانية السير في الدعوى لأطراف الخصومة بسبب عدم تمكنهم من المثول أمام المحكمة.
• ملف آخر على صلة بأتمتة العمل القضائي يجري الحديث بأن ذلك تمّ بجهود وخبرات وطنية وبتكلفة متدنية جداً ؟
••مشروع أتمتة العمل القضائي هو المشروع الاستراتيجي الأهم في وزارة العدل، وقد بدئ العمل بهذا المشروع في عام 2007 بالتعاون ما بين وزارة العدل وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتم إطلاق المشروع في عام 2010 في عدلية درعا، حيث تمت أتمتة المحاكم المدنية في عدلية درعا، ولكن بسبب تعرض القصر العدلي في درعا للحرق الكامل عام 2011 فقد توقف المشروع بشكل كامل خاصة بعد تعليق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أعماله في سورية.
لذلك قامت وزارة العدل ورغبة منها في إحياء هذا المشروع الاستراتيجي بإبرام عقد تطوير لهذه البرمجيات مع المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، ومن خلال التعاون ما بين فريق العمل في وزارة العدل والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا استطاعت الوزارة إعادة إطلاق هذا المشروع في عدلية ريف دمشق في بداية عام 2014 وهو يعمل بشكل ممتاز حتى هذا التاريخ.
•لنتحدث عن أتمتة الكاتب بالعدل، و كيف يتم ذلك؟ وما الثبوتيات اللازمة والمدة الزمنية المطلوبة؟
•• لقد أبرمت وزارة العدل عقداً مع جامعة دمشق لإنجاز هذا المشروع نظراً لما تعرضت له هذه الوثائق من ضياع وتلف وتزوير خاصة في الوكالات الخاصة بالعقارات، الأمر الذي نتج عنه ضياع الكثير من حقوق الدولة والمواطنين، وقد بلغ عدد الوكالات المؤرشفة أكثر من (8ملايين) وكالة في كل من محافظات دمشق وريف دمشق والقنيطرة واللاذقية وطرطوس، كما يجري العمل حالياً للتجهيز لأرشفة الوكالات في كل من عدليات درعا والسويداء وحمص وحماة وحلب، كذلك تم إطلاق مركز الإصدار والتصديق الإلكتروني لوثائق الكاتب بالعدل في الدائرة الأولى للكاتب بالعدل في عدلية دمشق، وتم تجهيز مركز مماثل في عدلية ريف دمشق سيتم إطلاق المشروع فيه قريباً.
• لننتقل إلى موضوع آخر هو الريعية والعائدات المالية، لقد نُقل عنكم أنكم تخططون لأن تكون وزارة العدل وزارة منتجة مالياً ورافدة لخزينة الدولة؟
••تسعى وزارة العدل من خلال الخدمات التي تقدمها في مجال التقاضي إلى تحقيق الواردات المطلوبة لتطوير عمل الوزارة، ويتمثل ذلك بالمشاريع الاستراتيجية التي تعمل عليها وزارة العدل كمشروع أتمتة العمل القضائي ومشروع أتمتة الكاتب بالعدل، حيث تقدم وزارة العدل مجموعة من الخدمات ثم تستوفي رسوماً على هذه الخدمات كما هو الحال في رسم الإصدار الإلكتروني البالغ ألف ليرة سورية عن كل وكالة جديدة أو رسم التصديق الإلكتروني البالغ خمسمئة ليرة سورية عن كل صورة مصدقة، وقد بينت دراسة الجدوى التي قدمتها جامعة دمشق أن واردات الوزارة من هذا المشروع قد تتجاوز المليار ليرة سنوياً في حال تم تعميمه على مستوى القطر، كذلك تستوفي وزارة العدل حالياً رسم النسخ الإلكتروني على كل قرار صادر عن أي محكمة، وكذلك يتم العمل حالياً على أن تكون عائدات رسم دور المحاكم لصالح وزارة العدل وليس لصالح الخزينة العامة كما هو معمول به حالياً.
•وما قصة اللصيقة القضائية؟ ولماذا أخذت كل هذه الضجة داخل مجلس الشعب؟ وأثارت الاحتجاج لدى المحامين والمتقاضين؟
••بالنسبة للصيقة القضائية فقد صدر القانون رقم
(21) لعام/2016 المتضمن زيادة قيمة اللصيقة إلى 200 ليرة سورية وزيادة مطارح اللصيقة القضائية، وهذا الأمر ساهم في رفع تعويض اللصيقة القضائية للسادة القضاة والسادة محاميّ الدولة وقضاة مجلس الدولة والسادة القضاة العسكريين.
•لقد سمعنا شكاوى البعض من قرارات تبدو شخصية بل مزاجية أحياناً، ما المعايير والمحددات التي يتم العمل بها في هذا المجال؟
••من المعلوم أن السلطة القضائية كإحدى سلطات الدولة الثلاث هي سلطة مستقلة، وينظم عملها قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /98/ لعام 1961م، كما ينظم شؤون السادة القضاة بالدرجة الأولى وكيفية تعيينهم وتوزيعهم وذلك كله بإشراف مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه السيد رئيس الجمهورية العربية السورية، وينوب عنه حكماً السيد وزير العدل.
ولقد نص هذا القانون في مادته رقم(95) على أنه: في غير حالات الضرورة القصوى تجري التعيينات والترقيات والتنقلات بين القضاة مرة واحدة كل سنة ويكون ذلك خلال شهر تموز».
الأمر الذي يقتضي إعادة توزيعهم على المحاكم والدوائر القضائية، وعادة ما يكون ذلك في الشهر السابع من كل عام تمشياً مع دوام المؤسسات الأخرى كالمدارس والجامعات، إلا أن واقع الحال في المحاكم قد يفرض على الوزارة إجراء هذه التشكيلات في مواعيد غير محددة، وذلك حينما تلاحظ الوزارة أن هناك خمولاً في العمل الذي يمارسه القاضي لفترة طويلة، حيث يصبح غير مهتم بعمله ما يؤثر في الدعاوى المنظورة وحقوق المواطنين، كما أن الترفيعات التي يتم بموجبها ترفيع بعض السادة القضاة من درجة إلى درجة أعلى، تقتضي نقلهم في أغلب الأحيان إلى محاكم أخرى أعلى درجة.
وفي كل الأحوال فإن التشكيلات القضائية التي تجريها وزارة العدل في العدليات المختلفة يكون الهدف منها الحفاظ على استقرار العمل في المحاكم وتحفيز القضاة على متابعة الدعاوى المنظورة أمامهم، هذا إضافة إلى تمكينهم من العمل بمحاكم مختلفة ليكونوا على اطلاع على كل أنواع الدعاوى التي تعرض على القضاء.
•هناك أحاديث كثيرة عن سلبيات عمل محكمة الإرهاب، لجهة عدم سرعة البت في القضايا الواردة من المحافظات، وضعف خبرة القائمين على عملها؟
••محكمة قضايا الإرهاب هي محكمة مدنية عادية ذات طابع خاص حيث أحدثت بالمرسوم رقم 22 لعام 2012، كما صدر قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 ، وكان إحداث المحكمة نتيجة طبيعية نظراً لنشوء أنواع جديدة من الجرائم التي لم تكن موجودة في المجتمع السوري قبل الأزمة التي تمر فيها سورية، ونظراً لعدد الدعاوى الكبير المنظور أمام المحكمة في بداية إحداثها فقد نتج عن ذلك ضغط كبير على المحاكم والدوائر القضائية في هذه المحكمة، لذلك لجأت الوزارة إلى زيادة عدد قضاة التحقيق وتخصيص قاض خاص بالأحداث كذلك أحدثت الوزارة محكمة جنايات ثانية لتخفيف الضغط والإسراع في البت بالدعاوى، وقد تعاقب على دوائر ومحاكم محكمة قضايا الإرهاب العديد من السادة القضاة المشهود لهم بالخبرة والفهم القانوني الممتاز والذين لم يتوانوا عن أداء عملهم في أحلك الظروف.
وقد قامت الوزارة مؤخراً بإنجاز برنامج أتمتة محكمة قضايا الإرهاب الذي يهدف إلى تسريع إجراءات التقاضي وزيادة الشفافية في العملية القضائية بالاستفادة من وسائل التقنية الحديثة، كما تم توريد كل التجهيزات اللازمة لعملية الأتمتة من مخدمات وحاسبات وطابعات وماسحات ضوئية وغيرها، ويتم حالياً العمل بالنظام المؤتمت بشكل مواز للعمل الورقي لحين تجريب كل واجهات البرنامج والتأكد من عدم وجود أي ملاحظات عليها، حيث سيتم بعدها إيقاف العمل الورقي التقليدي والانتقال بشكل كامل للعمل المؤتمت الذي سيوفر الجهد والوقت والدقة والسرعة في العملية القضائية في هذه المحكمة.
كذلك قامت الوزارة بتجهيز صالة على مدخل المحكمة لتكون أشبه بصالة النافذة الواحدة حيث سيتم من خلالها تقديم كل الطلبات من قبل السادة المحامين والسادة المراجعين من دون الحاجة إلى الدخول إلى المحكمة، وهذا من شأنه أن يضع حداً للاستغلال ولعمليات النصب والسمسرة التي يمكن أن تحدث داخل المحكمة من قبل بعض ضعاف النفوس.
•هل هناك تنسيق بين العدليات والجهات الوصائية المعنية بتوقيف المشتبه بهم؟
••المؤسسة القضائية تتمتع بالاستقلال عن بقية السلطات، ولكن هذا الاستقلال لا يعني قطع العلاقة مع بقية السلطات الأخيرة في الدولة، وإنما هناك تكامل فيما بينها (التشريعية – القضائية – التنفيذية) وهذا الأمر ينص عليه الدستور الصادر في عام 2012 وما سبقه من دساتير.
وهذا المبدأ متبع في كل أنحاء العالم تقريباً، ولا سلطة على القضاء إلا في حدود القانون، ولا أحد فوق القانون وإنما هناك سيادة للقانون نص عليها الدستور أيضاً. وتالياً فإن الجهات الوصائية لا تتدخل بذلك على الإطلاق.
•كيف تتعامل الوزارة مع القضايا الملحة والضرورية للمواطن؟
••تمّ إحداث مكتب في عام 2013، ومهامه مساعدة الإخوة المواطنين في البحث عن ذويهم المفقودين إثر الأحداث التي يمر فيها القطر العربي السوري، وما تركته هذه الأحداث وما قامت به الجماعات الإرهابية المسلحة من أفعال أدت لتدمير البشر والحجر.
ولقد تمت أتمتة عمل هذا المكتب بشكل كامل، ويتم تلقي طلبات المواطنين بالبحث عن ذويهم وتسجيلها وإدخالها إلى الحاسب، وإرسالها إلى الجهات المختصة التي توافينا بالجواب اللازم في حال توافره، حيث يتم إدخال هذه المعلومات، وربطها بالطلب المقدم من الأهل.
ولتسهيل هذه العملية في الاستقلال عن هذه الطلبات وضعت الوزارة الخط الهاتفي رقم /011٫2073/ في خدمة المواطنين للاتصال بمكتب المفقودين من أي هاتف ثابت أو جوال في كل أنحاء القطر ومعرفة الجواب على الطلب حال وروده.
•الحديث يطول عن مقاضاة الدول والهيئات والأفراد الذين تورطوا في تدمير الاقتصاد السوري وسرقة ونهب المنشآت الاقتصادية والخدمية السورية… إلى أين وصل هذا الملف؟
••من المعلوم أن ما يحدث في سورية هو ما نستطيع تسميته حرباً تشنها دول وجماعات انتهجت الفكر الوهابي الظلامي نبراساً لها على بلدٍ وصل إلى مرحلة متطورة من النواحي العلمية والاقتصادية والاجتماعية … وهذه الحرب تقودها دول وتدعمها وتمولها أيضاً دول ومنظمات تقوم على خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، وتهدف إلى تدمير هذا البلد الصامد ومعاقبته على مواقفه الوطنية، ولكن رغم كل ذلك وبفضل صمود الشعب والقوات المسلحة والقوات المساندة لها، وبدعم من الأصدقاء استطاعت سورية الصمود في هذه الحرب، وكسر شوكة المعتدين وإجبارهم على التراجع، واعترافهم بفشل مشروعهم.
وهذا الأمر لم تغفل عنه الحكومة، ولا وزارة العدل التي أحدثت في بداية الأزمة مكتباً متخصصاً بتوثيق الجرائم المرتكبة من قبل العصابات الإرهابية المسلحة، وترجمتها إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ووضعها بتصرف الجهات المسؤولة.

print