«جميع الثغرات والمشكلات التي يعاني منها القطاع المصرفي باتت مرحومة من الماضي ولن نقبل بأي منها بغية تصويب هذا القطاع» تأكيدات رئيس الحكومة المهندس عماد خميس هذه للمعنيين في القطاع المصرفي بشقيه العام والخاص جاءت خلال اجتماع تخصيص عقد في مصرف سورية المركزي أمس وتكلل بحصيلة قرارات فورية أطلقها المهندس خميس من المكان ذاته كبداية تضمن النهوض بعمل ذلك القطاع وتبرهن عملية هذا الاجتماع الذي أصر على ألا يكون كغيره من الاجتماعات السابقة المتعلقة بالقطاع المالي والسياسة النقدية، معلناً استمراره بعقد العديد من الاجتماعات إن اقتضت الضرورة من أجل الوصول إلى القمة في القطاع المصرفي وليس كما يقول البعض من أصحاب العقول السوداء «شبعنا» من الاجتماعات.
عدة قرارات اتخذها رئيس الحكومة بعد سماعه لشجون ومشكلات أصحاب الشأن المصرفي العام والخاص لخصها بقوله: قريباً ستكون هنالك حرية مطلقة في السحب والإيداع سواء بالمبلغ أو الإجراءات، وابتداء من «اليوم» سنقوم بإعادة إحياء إنشاء اتحاد للمصارف ينظم رؤاهم وزمن إقراره سيكون مرهوناً بإنشاء النظام الداخلي له بجهود مشتركة من قبل المصارف العامة والخاصة، كما أننا لن ننظر إلى المصارف الخاصة بعين ضيقة لعملها ونتعامل معها على أنها ند وطرف آخر، كما ستلغى بشكل كامل الإجراءات الروتينية المتعلقة بتقديم أوراق ثبوتية تسهيلاً لعمل المتعاملين مع المصارف، ونعمل للوصول إلى وضع تشريعات ثابتة تضمن نظاماً مالياً صحيحاً، ونسير معاً كقطاعين عام وخاص حتى يكون لدينا نظام مصرفي رغم العقوبات المفروضة على سورية.
إيمان الحكومة بدور القطاع المصرفي الخاص في دعم الاقتصاد السوري كرره أكثر من مرة رئيس الحكومة في الاجتماع، مشيراً إلى أن المصارف الخاصة مكون مهم من مكونات الاقتصاد ولا يمكن للدولة العمل بمعزل عنه لذا فتصويب العمل المصرفي مسؤوليته أيضاً، قائلاً: نريد الارتقاء لواقع أفضل ولا يكون ذلك بالشعارات والأماني وإنما بالرغبة في الانتقال من واقع إلى آخر بعمل مشترك ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الجلوس على طاولة واحدة نبحث فيها التحديات والسلبيات التي تواجه هذا القطاع.
هواجس كبيرة ومشكلات عديدة يعاني منها القطاع المصرفي في العمليات الإجرائية، مسلمات أكدها رئيس الحكومة طالباً من المعنيين الحديث عنها على المكشوف وأمام الإعلام بسقف مفتوح، مشيراً إلى أنه قد لا يستطيع تلبية كل المطالب فلا يمكن أن نلبي تلك المطالب وإنما يجب أن يكون هنالك تكامل بين القطاع المصرفي بشقيه العام والخاص فهما كالقدمين بالنسبة للإنسان الذي لايمكنه السير بإحداهما من دون الأخرى.
عدة أسئلة طرحها رئيس مجلس الوزراء على المعنيين في الشأن المصرفي بدأها بكيفية تطوير عمل المصارف الخاصة وما السياسة النقدية التي يمكن اتباعها لإعادة ثقة المتداولين بالعملات بالمصارف ليقوموا بإيداع نقودهم فيها إضافة لإبداء رأيهم في تثبيت سعر الصرف أو تخفيضه بالتوازي مع الليرة السورية، أكثر المشاركين من أصحاب المصارف أجمعوا على تثبيت سعر الصرف وليس تخفيضه فمدير «بنك البركة» وصف سعر الصرف بالنسبة للاقتصاد كما الضغط والسكري بالنسبة لصحة الإنسان يجب الحفاظ على معدلهما، مشيراً إلى أن الكتلة الأكبر من النقد موجودة خارج القطاع المصرفي والسبب برأيه تراجع مستوى الثقة من المتعاملين إضافة لتقزيم دور المصارف وانتعاش السوق الموازي، مشيراً إلى أنه يجب إعادة النظر بكل الإجراءات المتخذة فنحن لانزال تحت وطأة الحصار ويجب التعامل مع الواقع كما هو.
المعنيون في القطاع المصرفي الخاص كانوا أكثر مشاركة وشفافية من نظرائهم في القطاع العام في طرح همومهم والمشكلات التي تعترضهم مستغلين الجلوس بحضرة الحكومة، حيث أبدى مدير عام بنك «فرانس» سروره بتأكيد رئيس الحكومة على عمل المصارف الخاصة واعتبارها داعماً للاقتصاد ولخص مداخلته بثلاثة محاور أولها تطوير العمل المصرفي ومواكبة إعادة الإعمار هذا التطوير الذي لا يكون إلا من خلال الحد من الرقابة التي من شأنها أن تحد من التطوير، معترضاً على التدخل التفصيلي بعمل المصارف الخاصة رغم أنها ملك لأفراد وشركات خاصة، كما طالب بزيادة رؤوس أموال المصارف، مشيراً إلى أن ذلك يجب أن يترافق مع وجود ثبات تشريعي واستراتيجيات واضحة لجلب الاستثمار المصرفي، إضافة إلى إلغاء المفوضية واستبدالها بلجنة رقابة على المصارف أسوة بجميع الدول الأخرى.
وأكد المجتمعون ضرورة وضع آلية لاستقطاب الكتلة النقدية لدى رؤوس الأموال الوطنية وتعزيز ثقتهم بالمصارف السورية لاستثمار أموالهم فيها وتطوير العمل المصرفي بحيث يواكب مرحلة إعادة الإعمار التي تشهدها سورية وضرورة المباشرة بإنشاء اتحاد للمصارف السورية كسلطة وتنظيم نقابي فني يساعد المصارف في حل مشكلاتها وينسق مع المصرف المركزي بالموضوعات الفنية لمواجهة تحديات العمل.
كما ناقشوا الإجراءات التي يجب اتباعها لتكوين نظام مصرفي متطور يحتذى به في الدول الأخرى رغم العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه وذلك من خلال التعاون الكامل بين المصارف السورية بقطاعيها العام والخاص والإنجازات التي تحققت في السنوات السابقة لضبط العمل المصرفي والاتجاه للصيرفة الإلكترونية والسيطرة على المخاطر المتعلقة بالعمل المصرفي.
وتطرق المجتمعون إلى وضع إطار واضح لجلب الاستثمار للقطاع المصرفي من خلال إيجاد ثبات تشريعي وإعطاء محفزات للمستثمرين للفترة القادمة من إعفاءات ضريبية وحرية إدخال وإخراج رؤوس الأموال وتدعيم علاقة المصارف السورية بالمصارف الخارجية في الدول الصديقة لتسهيل التعاون المصرفي بينها.
واستعرض المجتمعون المراحل التي وصلتها المصارف في موضوع الدفع الإلكتروني وتوريد التجهيزات اللازمة له وتدريب الكوادر العاملة في المصارف على التعامل مع تقنياته بحيث تقدم خدماتها للمواطنين بفعالية، وإلى أهمية وضع رؤية لجذب رأس المال الوطني وأخرى لجذب رأس المال الأجنبي وتخفيف الضغوط ضمن ضوابط مدروسة تسهل عبور ودخول رأس المال الأجنبي وتحرير حركة رأس المال، مطالبين بتوحيد الجهات الرقابية على العمل المصرفي ضمن جهة واحدة تؤدي عملها في تتبع العمل المصرفي من دون التأثير سلباً عليه وتسهيل الإجراءات المرتبطة بعمل المصارف بحيث تكون أكثر سهولة وزيادة رؤوس أموال المصارف وإبقاء سعر الصرف ثابتاً لدعم الحركة الاقتصادية وتأمين بيئة عمل مستقرة لها.
ولتعزيز ثقة المواطن بالسياسة النقدية بيّن المهندس خميس ضرورة التزام المصارف بالعمل وفق استراتيجية واضحة للسياسة المالية والنقدية واتخاذ خطوات نوعية فيما يتعلق بإدارة السيولة والنقد والعملة الأجنبية وتطوير المصارف وأتمتة عملها وبنيتها التحتية والبشرية ما يعزز عمل القطاع المصرفي، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية خصوصاً مع بدء التحسن في المناخ الاستثماري في سورية، مشيراً إلى أن هناك 400 معمل يعاد تأهيلها، كما أن هناك يومياً طائرة تصدير محملة بالألبسة والأغذية في حين كان التصدير متوقفاً منذ 7 سنين، إضافة إلى زيادة حاويات التصدير 100% ، كما بلغت عوائد تعديل إيجارات استثمارات أموال الدولة 18 مليار ليرة، وهذه عوامل اقتصادية حقيقية تساعد على استقرار الليرة السورية.
وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور محمد سامر الخليل أكد في تصريح للصحفيين عقب الاجتماع أن الحكومة تراعي مسألة التناغم وتحقيق التنسيق والتشابك بين السياسات المالية والنقدية ومع سياسة التجارة الخارجية، ما انعكس على الاستقرار سواء من حيث سياسة التجارة الخارجية والمستوردات والصادرات أو فيما يتعلق باستقرار الصرف وهذه المسألة حققت نتائج إيجابية على مستوى الاقتصاد، مبيناً أن تنسيق السياسة المالية وتطوير العمل المصرفي بكل اتجاهاته المختلفة يكون من خلال تبسيط وتسهيل الإجراءات بالنسبة للمتعاملين للانتقال بالعمل الصرفي إلى مستوى أفضل في الفترة القادمة.
بدوره حاكم مصرف سورية المركزي الدكتور دريد درغام، أشار إلى أن هناك تصورات جديدة لرسم آفاق المرحلة القادمة سواء بما يتعلق بالسياسة النقدية عموماً أو بتبسيط الإجراءات، مشيراً إلى أنه خلال الشهر القادم سيكون قد اكتمل تركيب التجهيزات وتدريب المصارف على البرنامج المرتبط بالحوالات الإجمالية الفورية وهذا يعني نقلة نوعية بالحياة الاقتصادية السورية.
وفي اجتماع عمل آخر ترأسه المهندس خميس ناقش المجتمعون القضايا التي تتعلق بعمل ونشاط شركات ومكاتب الصرافة العاملة في سورية والإجراءات الواجب اتخاذها لتحسين بيئة نشاطهم بما يخدم ويلبي احتياجات مختلف الأطراف في ظل مرحلة التعافي الاقتصادي التي تشهدها البلاد، مؤكدين ضرورة تكاتف الجهود لتعزيز استقرار سعر الصرف واتخاذ الإجراءات التي تسهل استمرار شركات الصرافة بتأدية الدور المنوط بها لجهة تنفيذ الحوالات والقيام بأعمال الصرافة واستخدام حصيلة الحوالات بالشكل الأمثل في دعم الاقتصاد الوطني.
وأكد المهندس خميس أن الحاجة ملحة في ظل الظروف الراهنة لتفعيل دور شركات الصرافة في دعم الاقتصاد من خلال استمرارها بعملها رغم العقوبات الاقتصادية التي فرضت على سورية، مبيناً أن لشركات الصرافة دوراً مهماً في التغلب على التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني.
وأشار المهندس خميس إلى ضرورة وضع رؤى بنيوية حقيقية للوصول إلى أرقى مستوى لأداء شركات الصرافة واستثمار الظروف الإيجابية التي حققها استقرار سعر الصرف لتكوين بنية اقتصادية قوية، مشدداً على ضرورة تكاتف شركات الصرافة مع المؤسسات المالية الحكومية والعمل وفق آلية مشتركة لدعم الاقتصاد الوطني والمساهمة في تخفيف معاناة المواطنين.

print