منذ جثوم شبح الحرب اللعينة على يوميات السوريين، وتمدد ظلها الثقيل ليشمل جميع نواحي معيشتهم وخاصة بعد تدمير ممنهج لمكونات اقتصادنا المحلي، وحصار اقتصادي ظالم واضح الأهداف والمعالم، رُفع شعار التوجه شرقاً بديلاً عن أسواق بلدان أوربية وعربية تركتنا في وسط «البير» كما يقال وقطعت الحبل فينا لغاية في نفسها معروفة النيات أيضاً، لكن رغم أهمية هذه الاستراتيجية في تفعيل التبادل الاقتصادي مع الدول الصديقة، إلا أنها لا تظل دون المأمول، الذي يطمح إليه كل الأطراف بغية الاستفادة من المزايا النسبية لمنتجات كل بلد لإرساء قواعد للتبادل التجاري الفاعل يضمن تحقيق التكامل الاقتصادي المنشود.
بوادر تطبيق استراتيجية التوجه شرقاً بدت جلية في معرضي دمشق الدولي وإعادة الإعمار، وخاصة بعد إبداء الدول الصديقة استعدادها لمرحلة بناء سورية، ومساهمتها في إرجاعها أفضل ما كانت عليه، حيث تبلورت رؤية واضحة بين الشركاء لإرساء تشبيك اقتصادي بين الدول الصديقة وإيجاد أرضية مناسبة لتبادل اقتصادي وتجاري قوي، ورفع مؤشراته إلى معدلات تفوق مرحلة ما قبل الأزمة وحتى تدارك تلك الثغرات في أيام الرخاء لإنجاز هذا الهدف، والتي تتطلب أولاً معرفة احتياجات كل سوق ودراسته جيداً بحيث تغطي مثلاً سورية احتياجات السوق الروسية من الفواكه والخضار، وبالمقابل تغطي روسيا احتياجات سورية من القمح أقله ريثما تستعيد مجد أمنها الغذائي، والأمر ذاته ينطبق على السوقين الإيرانية والعراقية، اللتين تعدان السوق الأهم للمنتج السوري، الذي يلقى إقبالاً شديداً لدى العراقيين لما يمتلكه من جودة وسعر منافسين.
العوائق أمام تصدير المنتجات السورية إلى بعض أسواق الدول الصديقة ساهمت الحكومة بتذليلها عبر منح دعم مجاني بنسبة 100% للعقود المبرمة على هامش معرض دمشق الدولي، والقطاع الخاص اضطلع بدوره عبر إحداث خط بحري مباشر إلى روسيا بما يسهم في حل مشكلة تلف المنتجات الزراعية، إضافة إلى انتظار تفعيل «البيت السوري» للترويج للمنتجات المحلية مع الدول الصديقة لاستعادة مكانتها السابقة، لكن السؤال المطروح هل هذا يكفي لتحقيق التكامل الاقتصادي، وتشكيل قوة اقتصادية فاعلة تحدث فرقاً نوعياً في العالم؟ وهنا نعلّق الآمال عريضة على زيارة الوفد الحكومي إلى روسيا ليكون اللبنة الأساسية لتحقيق هذه الغاية المشتركة، علماً أن بوادرها بدأت تظهر من خلال اتفاقيات مهمة شملت جميع المجالات ستنعكس لاحقاً على إنعاش الاقتصاد المحلي وجيوبنا أيضاً.

print