ظلت عيون المواطنين وجيوبهم تترقب انخفاض أسعار السلع التي تدخل في قائمة استهلاكهم اليومي بعد انخفاض سعر عدة مواد ورقياً، في حين بقي الباعة يبيعونها بالأسعار ذاتها تقريباً مع التلاعب بمواصفات المنتجات التي يبيعونها كالشاورما، لدرجة لم يعد لها من اسمها نصيب، وسط تباهي «التموينيين» بأرقام الضبوط وعرض مخالفات الباعة على مسامعهم، مع استعراض قدرتها وإنجازاتها في ضبط السوق وكأنّها صاحبة الفضل في انخفاض السعر، فأين كانت عضلاتها وقدرتها سابقاً وعفا الله عما مضى، لدرجة بلغت حد مشاهدتهم درامية جديدة لجزء جديد من «يوميات مدير عام» ولكن بعد ترقيته، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أين هذه القدرة في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع رغم صدور القرار رسمياً؟ أم إنّنا سنبني مجدنا على الفروج المسكين ونخاف من أقرانه أصحاب اللحوم الحمراء على سبيل المثال؟ فهل سنشهد قريباً انخفاض أسعار بعد انخفاض سعر السكر والزيت والمتة أما أن الموضوع «هبة عرب» لا أكثر؟
على حالها
جولة سريعة لـ«تشرين» في الأسواق كانت كافية لمعرفة أن الأسواق لاتزال على حالها من دون ملاحظة أي انخفاض في أسعار السلع تزامناً مع انخفاض سعر الصرف والاستقرار الأمني في أغلب المناطق، وهنا نسأل أكرم شاهين- بقّال، فيقول: «إنّ الأسعار على حالها ولم يتغير فيها شيء من حيث الخضر وغيرها من المواد الأخرى».
أم ليا- ربة منزل أضافت أيضاً أنّها لم تلحظ انخفاضاً فيها خلال تسوّقها إلا بشكل طفيف في سعر أحد أنواع حليب الأطفال المستوردة لتؤكد أنها لم تلحظ فرقاً في أسعار السلع التي انخفضت مؤخراً بموجب قرار التجارة الداخلية وخاصة المتة باعتبار أن السكر والزيت كانا بطبيعة الحال أرخص من تسعيرة التموين، والحال ذاته أكده أمجد أحد عمال محل شاورما في منطقة قدسيا، متسائلاً: كيف ينخفض سعر «سندويشة الشاورما» ونظيرتها من الفلافل أغلى منها بالفعل «العز للفلافل والشاورما شنقت حالها»، وعن المواد الأولية المستخدمة في محل الشاورما قال: إنّ أسعارها مازالت كما هي ولم تشهد انخفاضاً.
أحد الزبائن الطالبين للشاورما يعمل في أحد المخابز المشهورة أضاف، بصفته صاحب مصلحة، أنّه من الصعب أن تنخفض أسعار المواد، وما حدث بشأن الشاورما مبالغة إعلامية ليس أكثر.
لمصلحة التاجر
حال الأسواق وبقاؤها كما هي رغم تغير بعض المعطيات المتسببة بغلائها تحدث عنه د.أدهم شقير- عضو مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك فيقول: «الوضع حالياً مناسب لإصدار أسعار جديدة لمختلف المواد تناسب قدرة المواطن الشرائية بشكل أفضل» مستغرباً تدخل بعض المؤسسات لمصلحة التاجر عند تأثره قليلاً، بينما لا تتدخل بالشكل المطلوب عند تأثر المواطن، وما حدث مؤخراً من شراء كمية الفروج الفائضة في السوق لمصلحة مؤسسة معينة دليل على ذلك، ما أدى لارتفاع السعر من جديد، مطالباً بحماية الجميع على السواء مواطنين وتجاراً، ففي النهاية جميعنا مواطنون، وأشار إلى أن الجمعية دائماً ما تشير إلى مواقع الخلل بصفتها جهة مراقبة وتوعية وإرشاد، ولا تملك أن تحاسب أو تسائل، وأحياناً يتمّ الأخذ بكلامهم وأغلب الأحيان لا.
تحالفات للضغط
عدم انخفاض أسعار السلع استغربه د.عبد القادر عزوز- خبير اقتصادي، الذي أكد أنّه مع استقرار سعر الصرف فترة طويلة كان لابد من أن ينعكس ذلك تلقائياً على إعادة النظر في الأسعار، ولكن ما نعيشه من غياب ثقافة التسعير لدى أصحاب المهن في ظل سوق الاحتكار السائد، والفوضى التي نعيشها بسبب الحرب، وعدم وجود منافسة في الأسواق، إضافة إلى ما يشكّله تحالف المنتجين واستخدامهم وسائل ضغط على الحكومة ومؤسساتها لا يوحي بانخفاض أسعار في الأيام القادمة، مشدداً على ضرورة أن تقوم الجهات المعنية بالتدخل أكثر بدور أكبر ولاسيما في هذه الظروف، وأن تفعّل الأدوار الرقابية وتصبح الإجراءات القضائية أكثر فعالية لأنّها لم تعد تردع أصحاب النيات السيئة.
خارج صلاحياتها!
استقرار الأسعار أو انخفاضها غير واضح في الأفق، لأنّ مشكلتنا ليست اقتصادية بقدر ما هي مشكلة تطبيق قوانين، فبعض المؤسسات تعمل خارج صلاحياتها وبحاجة إلى أن تنتبه إلى قوانينها فهناك جهات تتكئ على قانون ضمان توافر السلع في السوق للمواطنين متجاهلة – تتمة القانون- بأن يكون ذلك ضمن القدرة الشرائية للمواطن، وكذلك ضبط ممارسة النشاط ومنع الاحتكار حسبما تقول الباحثة الاقتصادية د.رشا سيروب، التي بيّنت أنّ العمل للحصول على نتيجة حقيقية في خفض الأسعار يجب أن يكون كحلقة متكاملة بين المواطن ووزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك ومؤسسات الاستيراد والتصدير ووزارة المالية والرقابة التي يمارسها مجلس الشعب… الخ، ومتى ما اختل عمل أحد أعضائها أو ضعف فقدت قدرتها على تحقيق المطلوب.
رقابتنا على كل السلع
ولم يختلف حديث المهندس عدي محمد شبلي مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق عن مرات سابقة التقيناه فيها حول ضبط الأسعار، حيث بيّن أنّ المديرية تشدد الرقابة على كل السلع في الأسواق (دبوس، قلم….الخ)، ولكن ما يحدث أنّه يتمّ التركيز على بعض المواد أحياناً ولاسيما الموسمية منها، كالأقلام التي يتمّ التركيز عليها بداية الموسم الدراسي فقط، والسكر حين ارتفاع سعره، مشيراً إلى أنّ عمل المديرية الأساس هو تأمين وجود السلع وتدفقها في السوق ووصولها إلى المواطن، ثمّ تأتي بعد ذلك عملية التسعير والمراقبة، مؤكداً أنّ عملها توافقي بين المواطنين وأصحاب الفعاليات التجارية، فالأهم هو استمرار وجود المادة في السوق ضمن الجودة والمقاييس المطلوبة ولو كان ذلك على حساب الثمن.
أكبر مما يبدو
ما حدث كان دليلاً على قدرة الجهات الرقابية –ولو بشكل بسيط- على ضبط السوق إن أرادت وأعاد جزءاً من ثقة المواطن المفقودة بالجهات الرقابية عند انخفاض سعر الفروج ثمّ سحبها عندما لم يلمس فرقاً بعد قرار تخفيض المواد الأساسية، ما أزال الستار عن جهات تقف وتسعى بكل جهدها للحيلولة دون خفض السعر لمصالح شخصية من داخل المؤسسات الحكومية أو خارجها كما حدث في اجتماع بعض أصحاب الفعاليات التجارية التي تأثرت بانخفاض سعر الفروج والرقابة عليها مع إحدى الجهات الرقابية فشكوا وبكوا خسارتهم «أو ما يسمى حقيقة قلّة ربحهم» وأظهر سعيهم للضغط بالاتجاه المعاكس، وربّما انعكس على ارتفاع السعر بشكل طفيف مجدداً بمساعدة جهات رسمية أو غير رسمية أخرى، ربّما نسميها مجازاً «جمعية الرفق بالتجار» وقد ظهر أنّ تخفيض الأسعار ليس مجرد قرار يتخذ فربما كان للفائض الكبير المطروح لمادة الفروج وابتعاد أغلب الأسر عن اللحم الأبيض في ظل انشغالها بتأمين مستلزمات العيد ولوازم أبنائها المدرسية والمونة لفصل الشتاء ووجود كميات كبيرة مهربة –كما يدعي المربون- من البيض والفروج أكبر الأثر في انخفاض السعر وكانت الرقابة مجرد عملٍ متمم لا أكثر.
وأخيراً.. لا من التعاون والتنسيق بين الوزارات في رقابتها وتصديرها واستيرادها وفي إصدار تصريحاتها ومتابعتها، فلا يكفي أن يصرح أحد الوزراء بأن لا زيادة في رواتب الموظفين، وإنّما السعي إلى خفض الأسعار ويقف مكتوف اليدين ناقداً الحال الذي وصلنا إليه، وأخيراً أن نعيد ثقة المواطن بالجهات الممثلة له من أقلّها شأناً إلى عظيمة الشأن، مستفيدين من تجربة قريبة أثّرت في كل مواطن سوري كان السكوت عنها أفضل مما قيل حولها وعن معالجتها والمساءلة عن أسبابها والإجراءات التي اتخذت بعدها.

print