قادته المسافات إلى جبل يرتدي غابة.. وأغرته عباءات الظلال باكتشاف السكينة.. فرد أجنحة التعب، وبحث عن بحر يغسل أوجاع الروح، وقروح الجسد.. وقرأ على الجذوع رسائل شوق لم تُقرأ من قبل.. وسمع هسيس أغنيات بكر تأتي من شرفات القلق، فبعثر قلقه نثاراً للريح، وخبأ جراحه، وحكاية الخيبة الأخيرة، والزمن الموحش، وغزالة الصيف الهاربة تحت إيقاعات الثلج، ودهشة الاكتشاف.
سكبت عصافير مجهولة الأسماء أغنيات عشق علنية، ورقصت فراشات عابثة خلف أوردته، فانقاد إلى حيث أشارت، ليختار من الدروب أكثرها حرية، ومن المعابر أقلها ظلمة.
اكتشف في طوافه العفوي نبعاً طفلاً، يتفجر نقاء مائه عبر حُصيّات متلألئة.. فانحنى على ركبتيه، وغبّ من ماء عجز الغبار عن تلويثه.. غسل وجهه، وتجاعيد الحزن المضمرة فيه، فارتوت عيناه من آمال لا تنضب، ونبتت على ضفاف القلب براعم طمأنينة غادرته منذ زمن… مضى مع خيط الماء، فطالعته ينابيع جديدة تتلوى من عشق وصفاء.. تتلاقى مع النبع الأول، وتصنع غديراً من بهجة، والغدير يرتدي معطفاً من عشب، وأوسمة من أقحوان..
وقالت الجداول: أيها الباحث عن أجوبة.. تعال، أدلك على فسحات الأمل، فالينابيع لا تمضي إلى بحر..
صنعت الأغصان قناطر صعبة العبور، وحاولت حجب الشمس عن التراب.. فغرّدت قُبَّرة حكيمة، وقالت: لا تخف أيها العاشق.. الليل يودي إلى الفجر.. وليس ثمة بحارٌ بلا شطآن.. فاعبر الممر المعتم.. خطوة.. خطوتان.. عشر خطوات، أو ألفاً… تابع تمزيق ستائر العتمة خيطاً بعد خيط، وستصل إلى كوّة النور.. مثل سفينة خرجت من بحر مظلم، ورأت منارة تتوهج.. ثم تصير المنارة بوابة لملاعب من عشب وورد.. ثمة شمس، وثمة فيء، وأغنيات تتذكر الجبال والوديان، أسماء مؤلفيها..
اقتربَ.. فخلعت جنية ثوب السحر، وتحولت إلى فتاة لها جمال الحوريات، وحين لامسها قدومه الذي بلا يقين، أسدلت ثوبها إلى ما دون الركبتين، وغطت بنثار شعرها مواضع الخفر.. فهمس بخوف: «هل أخفتك»؟
عبثت أناملها النقية بنقاء الجدول: «لا.. لا تخيفني المفاجآت القادمة من جرح.. اقترب.». فاقترب.. جلس كما لو أن صوتاً دعاه من الأعماق.. تأمل صفاء وجهها.. وقرأ في عينيها أشرعة ضيعت بحارها.. فتابعت: «كنت أنتظرك.. أخبرني الموج أنك قادم لا ريب».. ومدت أصابعها والتقطت من جفنات صدفات لها لون الغيوم.. ثم رمتها فوق الرمل، وابتسمت… قالت: «هي ذي غزالة عمرك الهاربة منك.. وأنت تسعى إليها، ولا مجيب.. وتبحث عنها، ولا صوت»…. وسأل: «أين هي الآن؟»..
«هي في صحراء لا واحة فيها.. بينما تلوب أنت صارخاً: أما من قطرة ماء؟».. فتضحك الرمال: «أحمق من أضاع المطر، وباع غيوم الصدق من أجل سراب.. فعد إلى جدولك الأنقى»..
نهضت لتغادر.. مدت له يدها… فتحت السهوب ملاعبها.. وشرّع الفرح كل مساكب تدفقه.. ورمت الشمس زمرد ضحكها، وفتح الأفق اتساع ذراعيه.. فمضت الأحلام ركضاً إلى نهارات لا تتعب، وحب لا يعرف اليأس.. وكانت الرايات المنتصرة ترفرف بأجنحتها.. وتزغرد…

print