أياً كانت الحضارة التي أراد التشكيلي معتز العمري إعادتها إلى الواجهة، بالرجوع إلى تجربتها الإنسانية ومعتقداتها الحاكمة، سواءً كانت فرعونية، كنعانية، آشورية، فقد التقط أهم مبادئها التي بنيت عليها تساؤلات وأفكار سيّرت تفاصيل الحياة فيها منذ كانت الرسوم الأولى على جدران الكهوف، تحكي قصة مجتمعات بأكملها.
يستعيد العمري في معرضه الفردي الأول «تجليات إنسانية» في المركز الثقافي في «أبو رمانة» نماذج لآلهة نصفها من البشر أو الحيوان، يعيد إلى الأذهان اكتشافات البشر في زمن الحجر والنار، لذا نرى في لوحاته شخوصاً تحمل الفؤوس، تجابه الخطر، تجيّر ما حولها، تتحمل وتصارع في سبيل البقاء، ربما كنا اليوم نعيش الهواجس نفسها، وإن اختلفت الظروف عامة.
يحيل الفنان متفرجيه إلى آثار كثيرة لكنه يستغني عن الأوابد الحجرية باللجوء إلى الإنسان نفسه. فكثيراً ما كانت الحضارات تطحن أبناءها حفاظاً على مقولات مقدسة، وهو ما يُسقطه على واقعنا. وعلى حد قوله: الآثار في المحصلة امتداد لنا نحن أبناء اليوم، ويمكن لأي منا أن يصوغ هذه العلاقة برؤيته الخاصة، بالطبع كل الحضارات استفادت من بعضها عبر حالة تراكمية. إذاً يجوز أن نكون انعكاساً لأسلافنا، نجتر عذاباتهم وآلامهم، من دون أن يجعلنا ذلك أقل معاناة.
تتشابه بعض اللوحات في شكلها العام، كنمط لاستمرارية الحياة بالشكل الذي كانت عليه فترات طويلة أو بمعنى آخر عجزنا عن تغيير ما نحن فيه، مع ذلك تحمل كل منها مدلولاً خاصاً عبر موضوعها، في إحداها يستوحي العمري من فن الأيقونة لكنه يرسمها عيناً كليّة الرؤية، مرتكزها المرأة المكوّن الأول للحياة كما يراها، يدور الناس من حولها، ولا ندري بم ينتهي دورانهم!. تظهر الأيقونة لديه أيضاً في لوحة أخرى، لكنها هذه المرة على هيئة وجه أنثوي، تخفي وراءها ملامح مدينة، يلفها الضباب.
تتطاول الوجوه في عدة لوحات، ولا شيء يفصلها عن الجسد، لعل ذلك السبب في بلاهتها أو ميلانها مع عيون جاحظة بالرغم من أنها مكفوفة البصر.
ما سبق يمهّد لمقولات عن الحرب، منها ما يرسمه الفنان عن فوضاها، في عمل يتكئ على ملحمة جلجامش حيث تتداخل الأشياء، تصغر وتكبر، تغيب الرؤية ويتأهب الجميع، تبلغ المأساة ذروتها مع سفينة للمهاجرين، يبحثون عن أمل بعد خسارة آخر، لكن العزلة حولهم، تُنبئ بعاصفة قادمة، إنه الغرق لا محالة، تتجسد النبوءة القاتمة في شجرة تتشعب فيها البيوت والوجوه. ثم يأتي بحث محموم عن مدينة مجهولة كما لو كانت غاية في حد ذاتها، ولا ندري هل حقاً سيعود الراحلون مع طيور النوارس بالرغم من أنها تحلق فوق دماء لا تزال جارية. تتابع صور الحرب في لعبة الشطرنج التي يحسمها حصان ما، لربما كانت حروب الجنود المختفين في الظل.
يعود العمري ليشعرنا بشيء من الهدوء مع المولوية كحالة صوفية، لكنه على عكس المتعارف عليه، يطعّم لباسها الأبيض بشيء من السواد، إظهاراً لحزن مضاعف ورغبة بالتجرد عن آثام الواقع وأخطائه. خلال ذلك كله، يتكرر ظهور الديك، بأحجام وأبعاد مختلفة إشارة إلى بداية جديدة، تختفي وتتجدد، لا تعني نهاية الحرب بقدر ما ترمز إلى بدايات لا منتهية، ربما تكون إحداها المنشودة.
يطلق العمري العنان للون قبل أن يكون موضوعه واضحاً، يستخدمه لتبيين طبائع البشر، فيبتعد عن البهجة باتجاه السكون، مع مدلولات حسية من دون أن يعير اهتماماً لمنطق أو افتراض، حتى تختلف إشارات اللون لديه عن المتداول.
يلخص «تجليات إنسانية» تجربة عمرها حوالي عشر سنوات ويجمع لمرحلتين، اشتغل فيهما العمري على الغرافيك والشاشة الحريرية، كانت بداياته في الحفر على الخشب، ثم طور أسلوبه مستفيداً من تعدد أشكاله كالمعدن والحجر، لاحقاً قدم الشاشة الحريرية فاستفاد أيضاً من تأثيراتها مع الأكريليك، وبدأ العمل على التقنيتين معاً، محاولاً تطويعهما لتلبية مقولاته.

print