ليست القضية لغوية بالطبع، إنما هي عبور إلى ما وراء الحرف لاكتشاف ماهيته البصرية عبر تلوينه وإعادة صناعته وزرعه بالانطباعات التي تجعله مفردة في بحيرة لونية مملوءة بالاحتمالات والتفاصيل. ما يقدمه الفنان وليد الآغا في معرضه المقام في صالة الرواق يأخذ البعد المعرفي لفكرة الحرف وفلسفة النطق التي ميزت الإنسان عن الكائنات الأخرى، واستناداً إلى ذلك فإننا نعثر على الأحرف العربية إلى جوار السريانية والمسمارية وغيرها من اللغات القديمة، هذا الاحتفاء مخصص للخلاصات الذهنية التي يمكن عدّ الحرف أحد تجلياتها التجريدية، وهنا يمكن الحديث عن تطابق اللغة المكثفة والمختزلة لبحور من المعاني بأحرف صغيرة منحوتة بشكل هندسي، مع التشكيل الذي يفعل الشيء نفسه باللون والخط والأرضيات المملوءة بالاحتمالات والآفاق المنسجمة مع رؤى الفنان..
في لوحات الآغا، لابد من النظر للحرف على أنه كائن مستقل، صحيح أنه مندمج في العمل الفني، لكنه لا يلبث أن يحدق من وراء الأفق اللوني بعيونه المدهشة، أو إنه يمسّد على نتوءات اللوحة كأنه يشير إلى شيء ما، حتى قمصانه وربطات عنقه تبدو منتقاة بشكل مدروس كي يكتمل المشهد الذي أراده الفنان هنا، إنها البانوراما التي جعلت مفردات عدة لغات تجلس متجاورة في عمل واحد، وهو ما دفعنا للقول بالبعد الفلسفي للتجريد الحروفي وليس بتمجيد الحرف الهندسي فقط.. من هذه القاعدة لابد من قراءة الحروف المتناثرة في كل عمل على أنها جمل تعبر عن فحوى منسجم مع الأبعاد اللونية التي اختارها الفنان في كل عمل بشكل مستقل. لماذا مال هنا إلى التدرجات الغامضة ولماذا كان مزهراً مضيئاً بروعة الأصفر والأبيض هناك؟. هل هذا يتبع الجمل التي كان يفكر فيها كل مرة، إم إنه يقتفي حالته النفسية وانفعالاته التي تشير إليه باتجاه أي لون يمضي؟.
سفينة الحروف تطفو فوق مياه بيضاء، لكنها في لوحة أخرى تخوض غمار بحر متلاطم الأمواج، فتميل إلى الانطباعيات وتتشابك فيها الحروف مع ضربات اللون المتداخلة مع المتناقضات التي تبدو للوهلة الأولى متباعدة لكنها لا تلبث أن تقترب وتتجاور كأنها في حوار.. في هذه المشهديات يمكن اكتشاف شكل كليّ يحمل مفردات تفصيلية داخله، كأن الفنان يشتغل على بعدين، الأول يفترض أن تراه العين من بعيد قليلاً أما الثاني فتتلقفه مباشرة عند المواجهة الأولى مع الكادر الخاص بكل لوحة، في هذا تلعب المخيلة الدور الكبير في فهم مفردات اللوحة ومصبّاتها النهائية التي يشكل الحرف إحدى دعائمها وعناصرها، وفي هذه الحالة من الصعب تفكيك أذرع العمل الفني عن بقية أعضاء الجسد، لأن الحرف يأخذ أصابع اللوحة أو عيونها أو جسدها الممدّد باستسلام على شاطىء الألوان المنهمكة بالاندماج وتقديم الخيارات!.
الحروف تبدو أحياناً فاغرة تأخذ شكل الوجوه، كأن الفنان يرسم بورتريهات غير متوقعة للغة، فنحن هنا لا نتحدث عن تمجيد هندسي للحرف يجعله في مصاف التخطيط، بل عن جماليات لونية تجمعه مع عناصر وأشكال ضمن عدسة واحدة، وهو ما يفسر علاقة الفنان مع اللغة في بعدها الذهني الفلسفي أولاً، وثانياً محاولته تحويل هذه المفردات إلى أيقونات موزعة بدراية في اللوحات حيث تأخذ الحروف شكل الأجساد المنتفضة المزهرة باللون الأحمر، ومرات أخرى تتشظى في فضاء داخل الكون الكلي للوحة، حتى في بعض الأعمال يعمد الفنان إلى كسر الإطار والخروج من الكادر المستطيل أو المربع، ليتحول الحرف إلى أفكار ضمن صندوق الرأس المرسوم بتشابك لوني لا يمكن تفكيكه إلا بكثير من التخييل لأن العملية هنا تنطوي على بعد معرفي ولوني في آن معاً، إضافة إلى البعد الذي تحمله الكلمات والحروف عندما يكون على المشاهد إعادة وصلها واقتفاء تلاشيها وراء الخلفيات كي تتضح العبارات وإلا ستبقى فرضيات لكلمات لم يشأ الفنان أن يكتبها كاملة إنما ترك المهمة للمشاهد!.
من الوجهة البصرية، هناك ضفتان شغلت لوحات الفنان الآغا في معرضه الجديد، الأولى زاهية بحروف مضيئـــة ترتدي ثياب العيــد، وأخــرى قاتمـــة يغمرهــا الحزن الظاهر في تدرجات اللون الغامقة.. ربما الحكم في هذه الأعمال يعود إلى طبيعة العبارات التي يفكر فيها الفنان أو تبعاً لحالته النفسية أثناء الرسم.. في جميع تلك الأعمال، هناك دهشة للحرف وخلق للغة تتحول إلى كائنات تكرج بثقة فوق سطوح القماش!.

print