أقصى ما يمكن أن يحلم به الإنسان هو أن يترك أثراً قبل أن يغادر هذه الحياة.. جملة اختصرت بها الكاتبة والمخرجة سهير برهوم عرضها المسرحي «أما بعد» وهو من تمثيل: علي القاسم، إيمان عودة، زهير البقاعي.
العرض مستوحى في جزء منه من الفيلم الأجنبي «about Schmidt» إضافة إلى أنه مستمد من قصة واقعية عاشتها المخرجة من خلال حالة قريبة منها جداً، وهذا ما دفعها لكتابة هذا النّص ونقل تفاصيلها عبر خشبة المسرح على حدّ تعبيرها، وقد أهدته لروح أختها.
يحاكي العرض بتفاصيله حالة إنسانية لعائلة عاشت انكسارات وإخفاقات نتيجة الإرهاب الذي استهدف البلد بكل مكوناته ليؤكد مقولة «يجب أن يكون هناك هدف لنعيش من أجله».
يبدأ العرض بموسيقا صاخبة تشبه الموسيقا الافريقية بلحظة ما.. لتنقلنا بعدها لجو شاعري تحاول الزوجة صنعه يترافق مع أغنية «يطوف بالقلب حبي» يفسده تململ الزوج وغضبه بصرخة يعلن فيها انتهاء مدة صلاحيته في العمل.
المحور الأساس للمسرحية يدور حول شخصية «نجيب» الذي اصطدم بفكرة التقاعد ما سبب له فعلاً عكسياً بأنه على أعتاب الشيخوخة، خاصة أن لديه اعتقاداً بأنه مازال قادراً على العطاء وإعطاء الكثير، وأن القرار مجحف بحقه.. فقانون التقاعد قانون جائر ويجب تغييره فهو بمنزلة القاتل الصامت لهم، ويؤكد «نجيب» على مدار العرض على فكرة الاهتمام بالمتقاعدين والاستفادة من خبراتهم كنوع من التعويض لهم لمنع وصولهم للإحساس بالإهمال وعدم جدوى وجودهم ويشعر بأنّ مشروعه في هذا الإطار لم يكتمل بعد.
يتطرق العرض في أحد خطوطه لموضوع كفالة الأيتام الذي بدا خطاً متكاملاً بدءاً من الإعلان الذي ترافق بصوت الإعلامية هيام حموي مروراً بحالة التبرع لجمعيات دور كفالة الأيتام، وصولاً للدعوة لإنقاذ هؤلاء الأطفال وجعلهم فاعلين في الحياة الاجتماعية.
ومع إعلان التقاعد تبدأ رحلة «نجيب» في البحث عن طريقة لإثبات وجوده وكينونته كإنسان فاعل في المجتمع، يبدأها بالأعمال المنزلية، الأمر الذي يصعّد وتيرة الخلاف مع زوجته واتهامها بالتقليل من خبرته، ونتيجة الصدامات المتكررة تبدأ التساؤلات الكبرى له عن جدوى الحياة والأثر الذي سيتركه في حال الرحيل، الى أن تضيق الزوجة ذرعاً به وتبوح بما يعتريها من هموم ليأتي ردها قاسياً بأن لها أحلامها وطموحاتها ومعاناتها، وأنها قدمت استقالتها طوعاً كرمى لعيون عائلتها بعد أن عانت ويلات التهجير نتيجة الظروف السائدة والحرب التي استهدفت الكثير من الناس، وأن أحاسيسها الداخلية تلتهب شوقاً لبيتها ولولدها ووحيدها الذي اضطر للهجرة هرباً من ويلات الحرب..
ما بين تناقضات الألم والفرح والحب ورغبة الاستمرار في الحياة وحاجتها للسعادة عاشت الزوجة، وبلحظة ما تأتي مأساة فقدانها لولدها بمشهدية الفقد والألم لفلذة كبدها لتنتهي حياتها وتضع حداً لها.
ويبقى الزوج وحيداً يصارع الحياة بين الرغبة في العيش والرغبة بالرحيل، ليأتيه رد غير متوقع في نهاية المسرحية شكل بريق أمل وأعطاه دفقاً للاستمرار في الحياة أن الجيل الجديد يجب الاهتمام به ورعايته وتقديم ما يلزم له لأن الطفل هو لبنة أساسية في المجتمع.
ورغم أن البروفات لم تأخذ وقتاً طويلاً، على حد تعبير المخرجة،إلا أنها كانت كافية ليكتمل العمل بالتعاون مع الممثلين المحترفين لبناء المشهدية المناسبة بما يمتلكون من خبرة كبيرة في العمل المسرحي،كما كان للمناخ الذي بناه مهندس الديكور محمد خليلي أثر في نفسية شخصيات العرض وإضاءة بسام حميدي التي أتت منسجمة مع المكان.

print