يرى غير باحث أنّ قدرة عرب الجاهلية على العيش في كنف بواديهم القاحلة يرتدّ معظمها إلى واقعيتهم المفرطة في التعاطي مع الحياة، بما يعني التعاطي مع ذواتهم، ومحيطهم الطبيعي، وفي إطار العلاقة بين الإنسان وبيئته الجغرافية نشأتْ أفكار تتناول عمق هذه العلاقة التي تمنح الجغرافيا قدرة فائقة على تكوين أبنائها، على أساس التجادل التلقائي بين المرء ومحيطه الجغرافي، والثقافي، واتّخذت هذه الأفكار منحاها العنصريّ، عندما منحتْ الأوروبيين تفوّقهم الشامل اعتماداً على الطبيعة الجغرافية للقارّة، وثرائها بالمياه، وبقية الموارد الغذائية والمعدنية، وقد وضع العنصريون الإنكليز هذه الدعاوى تحت عناوين زعموا أنها عناوين (علمية) جعلتْهم يربطون افتقار العرب إلى الشعر الملحمي بافتقارهم إلى خصوبة الخيال التي لابد لها من بيئة خصبة تنشئ المناخ الأمثل لاستنباتها.
القول الذاهب إلى أنّ البيئة المتطرّفة مناخياً تلد أشخاصاً متطرّفين، أو ذوي أمزجة متطرّفة، قول ينقضه واقع التاريخ، وواقع الجغرافيا، قديماً وراهناً، فالمناطق المتاخمة للقطب الشمالي (مثلاً) مناطق متطرّفة مناخيّاً، ولكن عصرنا الذي سيطر معرفيّاً على كامل الكوكب لا يذهب إلى أنّ أبناء سهوب الجليد، والرياح القطبية، والقفر المريع، ذوي بنى ذهنية متطرّفة، أو أمزجة متطرّفة موازية لمناخهم المتطرّف، وفي بوادي الجاهلية، بوصفها حاضناً لجذورنا الثقافية ذات الطابع العربي الصرف، استطاع العرب أن يتكيّفوا مع بيئتهم الفقيرة الناشفة التي كانت تعدّ في أيامهم أكثر مناطق العالم القديم فقراً بمختلف الموارد، بسبب فقرها بالمياه العذبة، والراوية العربية التي اتّخذت الصحراء مكاناً محوريّاً، أو ثانوياً، لحركة الشخوص، مضى غير مثال إلى أن الصحراء مكان رهيب لا يستطيع أن يعيش فيه سوى الأنبياء، أو المجانين، أو من في حكمهم، ولأن الأنبياء ينتمون إلى استثناء الاستثناء، أو صفوة الصفوة، اتّهم بعضُ الأدب الحديث أبناء الصحارى العربية بالجنون، أو اللامبالاة الشاملة بالحياة التي لم تنتج سوى التخلّف، والعجز عن مواكبة العصر الزاخر بكل أشكال الإنتاج، والإبداع، والعبقرية، ولكن نظرة الأدب لا يجوز اعتمادها أساساً للتعاطي الموضوعي مع الأشياء والظواهر، فالأدب يمتلك عموماً نظرة متطرّفة شعوريّاً وجمالياً، وإذا افتقر الأدب إلى الانحياز باتجاه الجمال، والتطرف إليه، افتقر إلى الطبيعة الأدبية التي تجعله أدباً.
لا يتسع المجال لبسط مظاهر التعاطي الواقعي العربي القديم مع الظواهر والذوات والأشياء، لكنّ المؤكّد أن تلك النظرة الواقعية، أو المفرطة في واقعيتها، هي التي مكنّت العرب من التكيّف والعيش في البيئة الأفقر على وجه الأرض، وهي الأكثر تنفيراً للبشر، والأقلّ قدرة على اجتذابهم إليها. ما يهمنا من هذا التعاطي الواقعي في سياقه الثقافي جانبان: يتعلق الأوّل بانتفاء التعارض بين الرؤية الواقعية وتوثّبات الخيال الذي أنتج للعرب أساطيرهم، وحكاياتهم العجيبة، وأنتج لهم وادياً سحرياً سمّوه (وادي عبقر) ترتع فيه كائنات مبهمة غامضة أطلقوا عليها تسمية (الجنّ) وكانت كائنات ذلك الوادي تلهم الشعراء ما كانوا ينظمونه من شعر (عبقري).
ويتمثّل الثاني في أنّهم حموا عقولهم من مختلف الأوهام التي يمكن أن تنسب إلى البشر أفعالهم العجيبة، التي تخرق سقوف المألوف، كانوا يتناولون بالعين البصيرة الناقدة جميع ما يرد إلى أذهانهم من أخبار تبالغ في تعظيم العظماء، ولأنّ الحياة من الناحية الموضوعية، فقيرة جداً بالأبطال والعظماء، اتّسع تناول المثالب والمآخذ، وانتشر شعر الهجاء، وجرى تقشير الشخصيات المبجّلة من مختلف ما جعلها مبجّلة بما عنى في سياقه الجاهلي إيمانهم الواقعي بافتقار حياتهم إلى أبطال وشخصيات عظيمة، متفق على أنها شخصيات عظيمة، وتتمتع بإجماع عربي على التبجيل، وأفترض أن هذين البيتين لامرئ القيس يعبران عن اجتماع النظرتين: الخيالية الغيبية التي ترى أن الجنس البشرى موضوع في الأرض لأمر غيبيّ مجهول، والواقعية التي تقشّر البشر من الزيف وتردّهم إلى مستواهم الواقعي المتدني إلى حدود الذباب والديدان:
«أرانا موضعين لأمر غيبٍ ونُسحر بالطعام وبالشرابِ
عصــــــافير وذبّانٌ ودودٌ وأشرس من مجلحّة الذئابِ»

print