بعد انتصار دول الحلفاء على ألمانيا النازية وحلفائها في عام 1945 فرضت الحركة الصهيونية على الدول الأوروبية الغربية محاكمة كل يعترض على الأرقام التي حددتها الحركة الصهيونية للضحايا اليهود أو ينفيها، وأعلنت عن رقم ستة ملايين وزعمت أنهم جميعاً جرى حرقهم وأدخلت الكلمة العبرية (هاشوءاه) إلى الإنكليزية وهي من جذر (شواء) الأصل نفسه بالعربية أي الإحراق، ولم تكتف بذلك بعد أن أيدتها في هذه الإجراءات بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بل فرضت الرواية الصهيونية على ألمانيا وإيطاليا المهزومتين وفي مناهج التعليم في دول أوروبا الغربية التي سنت قانوناً يمنع نشر أي تكذيب أو تفنيد أو دراسة أو كتاب ينفي الرواية الصهيونية عن عدد القتلى من اليهود الأوروبيين وعن طريقة قتلهم أو يشكك بها.
وقد حوكم عدد من الكتاب الأوروبيين وجرت ملاحقتهم مثل البروفيسور البريطاني ديفيد إيرفينغ في التسعينيات بسبب دراسة نشرها لتفنيد الرواية الصهيونية ولاحقته السلطات القضائية في النمسا وفرنسا وألمانيا ومنعت دول كثيرة دخوله أراضيها لكي تنفذ ما فرضته الصهيونية.
وفي أعقاب اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية فرضت «إسرائيل» الرواية الصهيونية نفسها على الأراضي التي تديرها السلطة ومؤسساتها، بل زادت على ذلك وفرضت على الدول الأوروبية التي تعهدت بتقديم الدعم المالي للمؤسسات التعليمية الفلسطينية وضع سياسة تمنع الفلسطينيين من تسمية المدارس ومراكز الثقافة والتربية بأسماء الشهداء الفلسطينيين لأنها تعدهم «إرهابيين»، وقد تعاونت النرويج وبلجيكا في الآونة الأخيرة مع هذا الطلب الإسرائيلي فأعلنت بلجيكا عن توقفها عن تقديم ملايين الدولارات لمدرسة البنات في قرية بيت عوا في منطقة الخليل لأنها تحمل اسم الفدائية الشهيدة عام 1975 «دلال المغربي» وطلبت النرويج من السلطة الفلسطينية استعادة المال الذي دفعته لمركز للمرأة الفلسطينية أطلق عليه اسم دلال المغربي ولم تستطع السلطة الفلسطينية إقامة نصب تذكاري لبعض الشهداء الفلسطينيين فالسلطات الإسرائيلية لا تهدم البيوت الفلسطينية فقط بل تهدم أضرحة الشهداء إذا كتب عليها صفة الشهيد، فالهدف الإسرائيلي واضح وهو فرض روايتها بأن كل من قاوم «إسرائيل» واستشهد يعد «إرهابياً» ولا تسمح بتخليد ذكراه بين صفوف الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وكل من ينفي الرواية الصهيونية حول الضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية يخضع لعقوبة الحبس وهذا هو شكل التسوية الذي تريد «إسرائيل» فرضه على العرب والفلسطينيين.
وتقول إيتامار ماركوس في مقال نشرته في موقع إلكتروني أن «إسرائيل» والدول الأوروبية المانحة تلاحق الآن 31 مدرسة تعليم للإناث وللذكور وللمدارس المختلطة للجنسين لكي تمحو الأسماء التي اختاروها لهذه المدارس، وإذا كانت مهمة وواجب تحدي الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي والتمسك بقيم تقديرهم للشهداء والمقاومين للاحتلال لن تتوقف فإن مشاركة دول أوروبية مانحة للمساعدات المالية للفلسطينيين في معاقبة الفلسطينيين لا تستوجب التنديد فقط بل تستوجب أيضاً موقفاً عربياً للدفاع عن هذه القيم الواحدة للفلسطينيين والعرب، ولهذا لابد من استبدال هذه الدول المانحة بدول عربية تتولى هي تقديم المساعدات المالية لحماية التراث النضالي للشعب الفلسطيني وثقافته وتاريخه ودوره في الصمود والمقاومة، وإذا كان الرئيس الأمريكي ترامب قد حصل على أكثر من 400 مليار دولار من السعودية، فلماذا لا تتولى الدول العربية الثرية مهمة منح الفلسطينيين مساعدات مالية بعشرات الملايين من الدولارات ولا تهدد بمنعها عندما ينفقها الفلسطينيون في التعليم وفي المحافظة على تراثهم النضالي وعلى القيم المشتركة نفسها مع أشقائهم العرب وأعظمها قيمة الشهادة والتضحية من أجل قضية يعرف الجميع أنها أعدل قضية في التاريخ فـ«إسرائيل» تريد أن تفرض علينا محو ما حملته ذاكرتنا العربية من ثقافة وقيم عظيمة ترفض الاستسلام لكي يسهل عليها «استعبادنا وسلب أوطاننا» ونحن أمة ما زالت تقاوم منذ قرن من الزمان.

print