أمام ما آلت إليه الأوضاع العامة على الساحة السورية بفضل انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه وتحقيق العديد من المصالحات المحلية والنجاح، إلى حد ما، في تجربة مناطق تخفيف التصعيد ووسط انحسار الخريطة العسكرية والجغرافية للفصائل الإرهابية وتأثيرها في الأرض وتراجع أهميتها بشكل ملحوظ، بدأت تظهر في الأفق سيناريوهات تنذر بقرب مخرج للأزمة في سورية والاعتراف العلني بانتصار الدولة السورية، وفي الوقت نفسه تغير المزاج العام وتضاءل الاهتمام والدعم العربي والدولي لما يسمى «المعارضة السورية»، وأقرت الدول العديدة الضالعة في دعم الإرهاب والإرهابيين في الحرب على سورية بفشل سياساتها ومراهناتها خلال سنوات عمر الأزمة والدعوة إلى التخلي عن مقولة «رحيل النظام»، والطلب مما يسمى «المعارضة السورية» المشاركة في محادثات جنيف وأستانا وتوحيد فصائلها، والتخلي عن الشروط المسبقة للتوصل إلى اتفاق لحل الأزمة سياسياً.. وفي هذا السياق بدأت دول عدة تدرك ميل الكفة لمصلحة الدولة السورية والتعامل مع الوضع المستجد.
في هذا الصدد قالت صحيفة التايمز الأمريكية: إن الجو السياسي العام السائد في الدول الغربية المعنية بالأزمة في سورية أدرك الواقعية وبدأت هذه الدول بالتخلي عن مواقفها ومطالبها الدائمة «بتنحي النظام» وعلى رأسها بريطانيا، كما أقرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل – بشكل لا لبس فيه- بقوة الدولة السورية ونظامها الذي وصفته بالواقعية، وبدوره واصل الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون استدارته عن نهج سلفه فرانسوا هولند حيال الأزمة في سورية الذي فضّل الاصطفاف خلف الدول الداعمة للإرهاب حيث قال ماكرون: إن لدى فرنسا هدفاً مشتركاً مع إيران وروسيا يتمثل في دحر (داعش) ودعم الأمن والاستقرار في سورية والاعتراف بالواقع الجديد، مبيناً أن الرهانات الفرنسية السابقة كانت خاطئة، كما أعرب عن رغبة بلاده في تعزيز المبادرة التي قدمها لتشكيل مجموعة اتصال بشأن سورية.
وفي المقلب الآخر يسعى أردوغان بعد شعوره بأن الحرب بدأت تضع أوزارها إلى الاستدارة في مواقفه والنزول عن الشجرة بخصوص أطماعه التوسعية في سورية والمشاركة في آستانة السادسة، وتصحيح مسار تعامل حكومته مع الواقع الجديد والإعلان الشكلي عن أنه لن يكون هناك ممر للإرهاب من الحدود التركية إلى سورية، بينما جاءت المواقف السعودية خلال زيارة الملك سليمان إلى روسيا لتشكل الانعطافة اللافتة للنظر تجاه الملف السوري والدعوة إلى حصول حل وتسوية سياسية للأزمة في سورية والمحافظة على الأراضي ومؤسسات الدولة والتخلي عن مقولة «إسقاط النظام» والدعوة إلى التعاون مع روسيا لمواجهة الإرهاب والتطرف، كما سبق أن أبلغت السعودية «المعارضة السورية» التي تدعمها أن لا خيار أمامها إلا القبول بالرئيس الأسد في السلطة، وأنه لم تعد هناك جدوى لعرقلة المحادثات بشأن مستقبل سورية من خلال الإصرار على المطالبة «برحيل النظام»، لكن هذا لا يعني تجاهل الوقائع على الأرض التي تقول إن النظام السعودي مازال يقدم الدعم المالي والعسكري للفصائل الإرهابية الوهابية في سورية.
أما ستيفان دي ميستورا المبعوث الدولي إلى سورية فقال متسائلاً: هل ستكون «المعارضة» قادرة على أن تتحد وأن تكون واقعية لتدرك أنها لم تربح الحرب بعد رفع الحكومة السورية راية النصر؟! وفي تصريح للسفير الأمريكي السابق روبرت فورد، عرّاب ما يسمى «الثورة السورية»،أقرّ بأن الدولة السورية انتصرت.
الدبلوماسي البريطاني الشهير ألاستير كروك قال في مقال له: إن فشل المشروع الأمريكي– الإسرائيلي– السعودي «بإسقاط» الدولة السورية غيَّرَ مستقبل الشرق الأوسط ككل، وربما يبشر بمرحلة جديدة من العلمانية والتسامح في هذه المنطقة، وقال بصراحة: إن نجاح سورية في مقاومة كل المحاولات الرامية إلى تفتيتها يشير إلى حدوث نقطة تحول في الجغرافية السياسية في المنطقة.
في حين أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في مقال لها عن مجريات الأحداث في سورية إلى أن الحكومة السورية تستطيع أن تنام هانئة البال الآن لأن شعبها أصبح فعلاً يتحدث عن حياة هادئة، وأن هناك أمراً مؤكداً هو أنه لم يعد هناك من هو قادر على «هزيمة» الدولة السورية التي يقودها الرئيس الأسد. وأكدت الصحيفة أن بقاء الرئيس الأسد في السلطة هو الخيار الأفضل لأوروبا، وهو صمام الأمان والهدوء ليس فقط في المنطقة بل للعالم بأسره.
في حين أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن مستقبل الأحداث في سورية سيحدد مصير العالم وهذا ما يؤكد أن الاتجاه السائد الآن في دول العالم هو طرق أبواب دمشق من عدة عواصم، اعترافاً بدور سورية المفصلي في رسم معالم العالم.
كاتب فلسطيني

print