نزعات الانفصال الإثنية والعرقية وتحت ذرائع «الحقوق والحريات وتقرير المصير» وكذلك التذرع بـ «المظلوميات» ليست جديدة، عبر التاريخ، وراهناً تستيقظ وتبرز من جديد عبر مغامرات، ووسط ظروف مريبة لتحقيق أهداف وظيفية تحاول استكمال ما لم يجد طريقه إلى التنفيذ بالحرب، بعد أن فشلت المخططات في تفتيت الدول وفرض حروب عليها، وفرض حدود وخرائط جديدة.
وكي لا يغدو الحديث ضرباً في العموم يكفي أن نلقي نظرة سريعة على ما حصل في 25 من أيلول المنصرم في شمال العراق ليس بهدف تناول الخطوة المذعورة لكن لمقاربتها كهدف وظيفي وما تحمله أبعد مما هو معلن.
تجارب فاشلة واضحة للعيان، تيمور الشرقية، كوسوفو، وجنوب السودان، لكن ثمة من يحاول أن يجرب المجرّب، ويركب رأسه معانداً مثل «كردستان»، وكاتالونيا، وعلى الرغم من التباعد الجغرافي بين الإقليمين واختلاف الأسباب والنوازع إلا أن تزامن «التجربة» جعل منها محط انتباه، وكأننا أمام محاولة إحياء هذه النزعة في الزمن الخاطئ «الكثير من المناطق في إيطاليا وكندا وإسبانيا والولايات المتحدة وغيرها ينتظر أيضاً..» مادام ثمة من يغذي وأطراف تستفيد وتسعى للتوظيف.
في منطقتنا فشلت الرهانات عبر عقود سواء بالحروب وغيرها في تحقيق ما كان يهدف إليه المايسترو وراسم الخرائط وكل ما نفذ لم يطمئن «إسرائيل» ويجعلها قوية في المنطقة، فكانت الخطوة التالية هي الورقة الكردية عبر الاستفتاء في محاولة لجس النبض والابتزاز، ويبدو أن «إسرائيل» التي اغتبطت بما حصل في شمال العراق وتعد هذه الخطوة «نقطة ضوء» في مسار إقليمي باتت أكثر تمسكاً بهذا الخيار بعدما رأت أن مسار التطورات في المنطقة يتجه نحو مزيد من التعاظم لمحور المقاومة، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً لها.
الدور الوظيفي
ثمة أمور كثيرة ذات علاقة بموضوع الطبيعة الوظيفية وجبت مناقشتها، منها الهذيان عن «حقوق وتاريخ»، وغيرهما من مواضيع تطرح في بازار المزايدات السياسية.
مهما كانت الأسباب وذرائع «المظلومية» فهي لا تلغي أن التذرع بها في لحظة فاصلة ووسط ظروف متشابكة وضبابية محملة بأدوار وظيفية، بمعنى أننا أمام مشروع كيان وظيفي مهمته تعويض ما كان يقوم به تنظيم «داعش» في المنطقة، بهدف تشتيت للقوى والطاقات حتى تأمن «إسرائيل» وحتى يطول أكثر أمد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بعد أفول تنظيم «داعش».
لم تخفِ «إسرائيل» تأييدها إقامة «كيان كردي» في شمال العراق فهي ترى ذلك بداية دينامية لن تقتصر مفاعيلها وتداعياتها على العراق وحده، بل ستشمل كل المحيط الإقليمي إيران، تركيا وسورية فهذا «الكيان المفترض»- من منظور إسرائيلي- سيؤدي دوراً وظيفياً على المستويات الاستراتيجية والأمنية والسياسية، في مواجهة التهديدات المحدقة بـ«إسرائيل» التي يمثلها محور المقاومة الذي أثبت قوته وتجذره رغم كل المخططات والمشاريع التي هدفت إلى النيل منه منذ ما بعد أيار عام 2000 وصولاً إلى الحرب التي تشن على سورية والعراق حالياً عبر أذرع إرهابية، وكيلة دول إقليمية ودولية.
خطوة ابتزاز
حصل الاستفتاء، وبصرف النظر عن النتائج –فهي تعني أصحابها- التي جاءت كما أريد لها ووفق ما خطط له زعيم الإقليم الذي تحين غياب قطبين كرديين بارزين الطالباني وأوجلان ليتوج نفسه زعيماً بلا منازع ويظهر بنظر الأغلبية الشعبية المسكونة بقصص المظلومية أنه المنافح عن الحقوق لكن ما خفي كان بعيداً كل البعد عن هذه الشعارات البراقة، والسؤال: لماذا لم يجر الاستفتاء في الأعوام السابقة خاصة أن الإقليم يعيش بالطول والعرض وفق دستور عراقي تم تفصيله بما يرضي كل المكونات وعلى الأخص الأكراد حيث تمت مراعاة ظروفهم وأعطوا ما لم يحلموا به فيما لو أجري استفتاء انتخابات في العراق.
المفارقة أن الإقليم وبعد النتائج انتهج التهدئة مع الحكومة المركزية ملمحاً إلى التفاوض على ما يبدو للحصول على المزيد من الامتيازات خاصة بعد المواقف الدولية والإقليمية الرافضة لخطوة الانفصال شكلاً ومضموناً، «بعض القوى الكبرى، أعلنت رفضها من باب المناورة فقط وتصدير المواقف فهي تحت الطاولة تعمل لتكريس ليس انفصال كردستان فقط بل العديد من المناطق وفق تقسيمات إثنية» بمعنى آخر أن قادة الإقليم أقدموا على هذه الخطوة للحصول على المزيد من المكاسب التي اعتادوا عليها منذ 2005 على أقل تقدير وبذلك يكون البارازاني قد ضرب عصفورين بحجز واحد أي أجرى الاستفتاء لدغدغة المشاعر الشعبية وكرس نفسه زعيماً مطلقاً بمزيد من الامتيازات المادية.
والسؤال: هل كانت مناورة الاستفتاء للابتزاز مجدداً وتوسيع السيطرة والامتيازات بمعنى هذه «التنحية» التي أبداها الإقليم رغم كل الدعوات الدولية للعدول عن الخطوة؟ الجواب، نعم فمن خطط لمثل هذه الخطوة المذعورة لم يكن مغفلاً ويعرف سلفاً المواقف.
شعور المظلومية
إحساس أو شعور المظلومية هو شعور إنساني يجد مسوغاته على المستوى الفردي والجماعي لكنه غالباً ما يكبح الوعي والإدراك الصحيح ويعفي تالياً من رؤية هذه المظلومية في إطارها العام والواسع فأغلبية الناس، مثلاً، تدعي أنها ليست في مكانها وزمنها المناسبين، لأن بيئتها تظلمها، أو على الأقل لا تقدرها حق تقدير.
لا يكون منصفاً من يقلل من دور القوى والأهداف الخارجية في التسبب بالمآسي التي تعرضت لها شعوب المنطقة عامة والأكراد على وجه الخصوص، ولكن آن الأوان لتجاوز سردية هذه المظلومية التي تخدر الوعي الشعبي وتريحه من التفكير فليس الأكراد وحدهم من تعرّض لمؤامرات الاستعمار وليسوا الوحيدين الذين توزعوا في أكثر من دولة، ولو تمتعت كل إثنية بدولتها الخاصة لتجاوز عدد الدول القائمة اليوم الخمسمئة.
سؤال أي مظلومية على حق، سؤال مضلل ومنافق، فواقع التاريخ والحاضر يقول إن كل المظلوميات على حق، في أنها كانت –ومازالت- مظلومة، لكن تجزئة المظلومية، والتركيز على مظلومية فئة منها، واعتبار أن الظالم هو جماعة دينية أو طائفية أو قومية والمظلوم الأوحد هو جماعة أخرى، سيؤدي حتماً إلى زيادة الظلم على الجميع، كل فريق يدعي المظلومية لنفسه، وشيطان المؤامرة على الآخر، ولكليهما ما يكفي من حجج وحوادث وفي أجواء المظلومية يحكى عن مبدأ تقرير
المصير كحق يراد به تلبية نزعات شوفينية ضيقة.
التقسيم ما بعد «داعش»
لكن، لماذا الآن؟ ما الذي حدث، بحيث قرر الأكراد المضي إلى الاستفتاء الآن، أياً كان الثمن؟ هل لذلك علاقة بمرحلة ما بعد «داعش» وقرب تسوية الأزمة في سورية، ما أوحى لأصحاب المشروع و«لغيرهم، بكل تأكيد» أن خريطة سياسية جديدة سترسم في المنطقة، أو أنها يمكن أن تتقبل خريطة سياسية جديدة؟
الجواب قد يكون بدقة ما قاله الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله: «إن قضية كردستان لا تتعلق باستفتاء أو بتقرير مصير بل بتقسيم المنطقة على أسس عرقية»، مؤكداً أن ما يجري في كردستان العراق يهدد المنطقة كلها، وأضاف: نحن ننتهي من مؤامرة «داعش» التي صنعتها «إسرائيل» ودعمتها قوى إقليمية، لكن المنطقة تتحضر لمشروع التقسيم.
ورأت شخصيات ونخب ثقافية وسياسية سورية في مقاربتها لبروز هذه النزعات الانفصالية أن ما ظهر منها وما خفي كله في سياق أجندات معدة سلفاً في الدوائر الاستخباراتية الأمريكية بمعنى أن ما جرى ليس إلا فصلاً من فصول كثيرة تعمد واشنطن من خلالها إلى فرض وقائع جديدة فالخدمات التي تأملها «إسرائيل» لمواجهة إيران وسورية والعراق كبيرة جداً، كما يظل نسق المشروع برمته كارثة على المنطقة العربية.
السفير درويش: حراسة للمصالح الغربية
في قراءته السريعة لأسباب هذه النزعة يرى السفير السوري السابق لدى القاهرة الدكتور عيسى درويش أن هذه النزعات برزت تاريخياً في ظل ضعف الدول المركزية، لافتاً إلى وجود جملة من العوامل تبرز مرافقة للإصرار على تنفيذ هذا المخطط الآن وتقسيم المنطقة؟
1-بعض الدول في المنطقة مثل دول الخليج والأردن و«إسرائيل» لها أدوار وظيفية في حراسة المصالح الغربية وبقاء «إسرائيل» والآن أصبحت تكلفة بقائها عالية وأصبحت الولايات المتحدة تنوء بتكلفتها.
2-أصبحت المقاومة وحلفها بقيادة إيران وسورية ودعم روسيا تشكل خطراً وجودياً عليها.
3- استغلال بعض الأخطاء التاريخية ضد المكونات المذهبية والعرقية في الوطن العربي وتوظيفها من أجل الإطاحة بفكرة الدولة الوطنية الحديثة التي تكفل المساواة لكل مواطنيها والإطاحة بفكرة الوحدة العربية بأبسط صورها.
4- استغلال الضعف العربي الراهن والانخراط الواضح لبعض الدول العربية بتكاتف مع «إسرائيل» لإنهاء القضية الفلسطينية وإشعال حرب عربية مع إيران بقيادة «إسرائيل» وأمريكا بعد فشل إشعال حرب طائفية بعد التقارب الإيراني التركي الذي ترعاه روسيا.
ولعل استفتاء كردستان ونتائجه يشكل منعطفاً خطيراً في تاريخ المنطقة ويشكل نجاحه تداعيات خطيرة على المنطقة والعالم. وتشهد المنطقة نزاعات وحروباً طويلة إذا لم تتغلب الحكمة والرغبة في إيجاد حلول عملية تكون في مصلحة الجميع.
ويختم السفير درويش بالقول: إن العالم يشهد نزعات انفصالية عدة سببها الظلم والتهميش بسبب المآسي التي سببتها سياسة العولمة والجشع الإمبريالي للرأسمالية المتوحشة حول العالم.
الملاذي: الأسوأ الدعم الإسرائيلي
بدوره يرى الدكتور نبيل الملاذي- رئيس النادي السوري في بولندا- نائب رئيس حزب التغيير البولندي المعارض أن من يسمون أنفسهم قادة للشعب الكردي يمثلون أنفسهم وأتباعهم ومصالحهم فقط، والاستفتاء هو مناورة سياسية ولعب على وتر حساس تنفيذاً لرغبة إسرائيلية- أمريكية.
وأعاد الدكتور الملاذي تساؤل المؤرخ الكردي عمر ميران: «لماذا يودع عبدالله أوجلان الذي قال: (دولة كردية كـ«إسرائيل» مرفوضة نهائياً) ويستقبل الآخرون في البيت الأبيض».
ويلفت الملاذي إلى أن الأسوأ الذي حصل عليه الأكراد في هذا الاستفتاء فهو الدعم الإسرائيلي الوحيد المعلن وهذه كارثة في حد ذاتها. ويختم بالقول إن الـ «نعم» تشكل «وبالاً» على الشعب الكردي وتالياً ستخلق حالة من الامتعاض والإحباط واليأس والإحساس بالفشل وخلق الشعور بكره الجوار بعد أن تخلى هذا الشعب عن الاستمرار في التعايش مع بقية مكونات الشعب العراقي وشعوب المنطقة، ونزعة للتفرد والانعزالية.
الحجار: الحل الديمقراطي
ويشدد المعارض السوري بيان الحجار عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي وعضو المجلس المركزي لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي على الحل الديمقراطي في إطار دولة القانون والمؤسسات التي تكفل حقوق جميع المكونات ويقول: «لا يمكن حل الإشكالات والمظلوميات إلا بإقامة دولة المواطنة التي تضمن للفرد والأقليات القومية والدينية حقوقها ضمن دولة الكل الاجتماعي ذات النظام الديمقراطي الذي يقرره الشعب بكامل أطيافه ومنظماته وليس بسلوك وقرار تفرضه أقلية على الجميع مستغلة ظروفاً معينة تمر فيها البلاد. مضيفاً أن دولة المواطنة تكفل للأفراد والمكونات حقوقها ضمن عقد اجتماعي يحفظ الوطن والمجتمع حاضراً ومستقبلاً ومن غير الملائم والمجدي البحث في الأصول والمواطن القديمة والأقاليم التي هاجرت منها فئة أو جماعة إلى أماكن إقامتهم الحالية، لأن كل الأقوام قامت بهذا العمل مختارة أو مجبرة.
ويشير الحجار إلى أن اللامركزية الإدارية التي تكفل إدارة الشؤون الحياتية والخدمات وإحياء الثقافة الخاصة ملائمة تماماً لبلادنا مع بقاء شؤون الأمن والدفاع والسياسة الخارجية والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية بيد المركز.
خيو: فاجعة
الكاتب والصحفي فواز خيو الذي يسلم بالحقوق المشروعة الثقافية والسياسية للجميع يعارض بشدة أي نزعة انفصالية يقول: «ثمة مشاريع كبرى تغذي هذه النزعات، العراق القوي الموحد ضمانة للجميع، ويمكن لجميع المكونات أن تعيش ضمن هذا البلد بما يحفظ ويصون حقوق الجميع». «لا يخفي أن ثمة من تعرض للقهر والتعذيب في فترات سابقة وهذا سبب مباشر لبروز الرغبة الانفصالية لكنه يردف أن إقليم كردستان منذ عشرين عاماً، ينعم بالخيرات ليس هذا فحسب بل إن الأكراد أخذوا الرئاسة الأولى وقيادات في الجيش وغيره.
خيو يختم بالتأكيد على أن التقسيم كارثة على العراق والمنطقة ويرى أن وضع المكون الكردي في سورية مختلف.
فالكثير منهم ضيوف، أتوا في مطلع القرن الماضي نازحين من تركيا، واستوطنوا ولا يشغلون مساحة متجانسة ومتواصلة. ويتساءل: ماذا لو قال الآشوريون والسريان والكلدان وغيرهم، بأحقيتهم في تقرير المصير؟ إنها فاجعة.
ختاماً فقد نشرت مجلة «القوات المسلحة الأمريكية» في حزيران 2006 تقريراً عن إعادة ترتيب الواقع العرقي والطائفي والقومي، وذلك في: «العراق، أفغانستان، السودان، الجزائر، لبنان». الخ كتب التقرير رالف بيترز في كتابه (لا تكف عن القتال Never Quit the fight) أعلن فيه أن إعادة الترتيب لتحدث، ينبغي لها أن تلعب على أوتار عرقية وإثنية مفهوم أنها ليست في مصلحة الإثنيات والعرقيات التي يتم اللعب بها في لعبة المصالح الأمريكية تلك, بل يجري إثارة طمعهم حيث قال: «الترويج أن هذا التغيير والتعديل هو لمصلحة الجميع، خاصة أنه –وعلى عكس ما قامت به كل من «فرنسا» و«بريطانيا» يراعي مصالح القوميات والإثنيات والمذاهب والمجموعات المختلفة المنتشرة في المنطقة القائمة حالياً، لأنه قائم على أساس وقائع ديموغرافية تشمل الأقليات المذهبية والإثنية والقومية» ورغم قدم التقرير نوعاً إلا أنه يبين مدى التخطيط الاستراتيجي فهم يعدون قضية الأكرد مفتاح مخططهم، حيث قال معد التقرير صراحة لا مواربة فيها: «لنا في أكراد العراق مثال على ذلك، إذ إن الدولة المدمرة أو المفتتة أو التي يتم إضعافها عبر ورقة الأقليات سيكون من السهل على «إسرائيل» اختراقها كما حدث أيضاً في جنوب السودان».
ويكفي أن نقرأ ما قاله عراب «الربيع العربي» برنار هنري ليفي: «كردستان العراق ستكون ثاني دولة ديمقراطية في المنطقة» ورداً على سؤال حول المعارضة الدولية الواسعة للاستفتاء قال: «إن هذا أمر محزن جداً بكل صراحة، وخطأ كبير بالحسابات».
تابع: «وضع الأكراد اليوم يذكرني بطريقة ما بـ «إسرائيل» عام 1948 سبعة ملايين شخص يحاصرهم 160 مليون شخص من الأعداء، من إمبراطوريات كبرى، من دول «مارقة»، عزلة الأكراد بالنسبة لي وبالنسبة لأي ديمقراطي، تكسر القلب».

print