مرّت سنوات قبل أن تفهم سرَّ الدّموع المتموّجة في عينيها وهي تنكّس رأسها المجلّل بالخمار الأسود المخرَّم، أمام الكوّة الصّغيرة وتضع شمعتها برفق بين الشُّموع التي تلفظ أنفاسها وتخلّفُ رقائق بيضاء كبتلات وردة متساقطة! كان الضّوء الذي ينير قسمات الوجه النّحيل أمام الكوّة يذهلها، كأنّه ينفذ إلى قلبها وهي تمسك بطرف الثوب الأسود الذي لم ترها إلا فيه، وحين تغادران المكان من بوّابته الخفيضة، يندى الصّوت الحزين وهو يروي … كأنّه يروي للهواء الشّارد بين أغصان الرّوض الجبليّ وليس لها، وهما وحدهما تنحدران في الطّريق: – أرسلتُ إلى روحه أزكى التحيّات! فتفهم أنّ هذا المقام هو منزلُه الثّاني بعد القبر، وهو أوسع وأكثرُ أُنساً وحميميّة، فهنا ينتظرها ويبثُّ البخور حين تطأ قدماها العتبة وتنتظم أنفاسها وتنحدر دموعها! لذلك استعارت هذا المقام سرّاً، بقُبَّته البيضاء ونوافذه الصّغيرة ورَوْضه الأخضر، تتسلّل إليه بخيالها، كلّما حلّقَت فوقها سحابةُ أحزان!
تمرُّ دائماً من هذا الطّريق، دون ماضٍ ودون ذكريات ومن دون صور! ترتجل الحياةُ أيّامها عدا زهرة عبّاد الشّمس الفارعة التي أتلعت جِيدَها في قلب المدينة، على طرف الرّصيف، في ظلّ سلاحٍ ملقّم، غير ظاهر، لن يطاوع إلا يده الرّشيقة إذا دَهَم الخطر! كان مرورها سريعاً ذات صباح ومع ذلك انتبهت في حجرة شعورها المزدحمة أنّه غائب، وحين مرّت ثانية، كان الحاجز قد اختفى والأوراق الخضر الرّحيبة في أسفل ساق عبّاد الشّمس المشيقة قد أضناها التّعب وعراها اصفرار، فمضت إلى شؤونها تدفع حزناً شاحباً، هي الأخرى! لقد غادر من دون أن تودّعه وتشكره على إحساس الأمان الذي كان حارسَه الأمين، يومَ ما خرَج أحدٌ من بيته ووثق أنّه عائدٌ إليه ولَكَم كانت مغفّلة حين وعدت نفسها بأنها قد تلقاه إذا كُتبت لها الحياة وستقبّلُ طفله وتحكي له على مسامع أمِّه، كم كان أبوه جميلاً بطوله الفارع وبزّتِه الأنيقة وابتسامته التي لا تعرف الغروب حتّى حين احترق وجهه بشظايا الحطب النّاشزة من صفيحة التدفئة تحت السّماء الجليديّة، واكتوت أصابعه بصقيع كانون! هي بقيت على قيد الحياة، وهو صار صورة مؤطّرة بشريط أسود، لم يُذْكَر فيها تحت أيّ قمر أو نجم أو كوكب هوى؟
سألها صوت عَجول:- تحتاجين مساعدة؟ لم تفطن إلى أنّ عشرات السيّارات تجاوزتها بغضب لأنها لم تلزم أقصى اليمين، وأنّها كانت متكّئة على الشبّاك المفتوح وقد بدأت رائحة البخور تملأ أنفاسها، لكنّ يدها عاجزة عن إيصال شمعة إلى حوض عبّاد الشّمس حيث كانت قدماه ثابتتين، لا تغادران! سنتان… ثلاث… بل أربع سنوات، كان فيها كطلعة الصبح، كإزهار موسم الرّبيع، بلا تفاصيل شخصيّة لأنّ الصّبحَ صبحٌ والإزهارَ خصبٌ وجنى! تُقفل راجعةً إلى المنزل وفي خيالها تلك الدّموع المنسكبة أمام كوّة المقام: – أمّي! لم تعد المزارات التي تلتقين فيها أرواح الأحباب والأتقياء والرّاحلين، في أعالي الجبال فحسب، بل هي تحت قُبّة السّماء الفسيحة، جدرانُها النور وعتباتُها حيث وطئت أقدامهم، لكن هل من بخور يكفي؟ هل من شموع قادرة على الاشتعال في الأرض حتى تتوقّد معها نجوم السّماء؟ هل من فكاك لهذه الرّوح من أسْرهم المقدّس؟

print