ت – طارق الحسنية
تتعدد وتتنوّع تعاريف التّرجمة، لكنّها في المجمل تركّز على أنّها جسر من جسور التّواصل بين الشّعوب وأنّها ولادة جديدة للنّص الأصلي، فربما يكون المولود حسن الطلعة وربما يلج الحياة بتشوهات تتفاوت درجاتها تبعاً للمولّد وكفاءته، ونظراً لأهمية التّرجمة ودورها في نقل المعرفة بين اللغات، وبمناسبة اليوم العالمي للترجمة أقامت الهيئة العامة السورية للكتاب الندوة الوطنية للترجمة تحت عنوان: «الترجمة في سورية مشكلات وحلول» وذلك برعاية وزارة الثقافة وبالتعاون مع الجهات المعنية والمتمثلة بجمعية الترجمة في اتحاد الكتاب العرب- المعهد العالي للترجمة في جامعة دمشق واتحاد الناشرين السوريين ومؤسسات الترجمة الخاصة، وعلى مدار يومين – الأول والثاني من الشهر الحالي- اجتمع المشاركون في مكتبة الأسد وناقشوا المشكلات النظرية التي تواجهها الترجمة بشكل عام، مسلِّطين الضوء بشكل خاص على الترجمة إلى العربية.. «الترجمة في سورية مشكلات وآفاق» عنوان الورقة التي قدمتها الدكتورة لبانة مشوح وقرأها نيابة عنها حسام الدين خضور مدير مديرية الترجمة في الهيئة، وفيها عرضت مشوح أهم المشكلات التي تعانيها الترجمة في سورية بشكل عام من تفكك المضمون وركاكة الأسلوب وكثرة الأخطاء التي تتراوح بين الافتقار إلى الدقة والتحويل، إضافة إلى ما تلعبه دور النشر في ذلك إذ فتحت الباب أمام الربح السريع، كذلك الصحف التي تترجم مقالات أجنبية يغيب عن مترجمها الخطر الذي تشكله على الذائقة اللغوية، إضافة إلى سوء اختيار العناوين وعدم إدراجها ضمن خطة بعيدة المدى.
وبالتفصيل وضعت الدكتورة خزامى الجمال الحضور في صورة ما تعانيه الترجمة العلمية من تحديات أهمها ترجمة المصطلحات، مرجعة المشكلة إلى وجود مرادفات للمصطلح العلمي الواحد والتباين في المصطلحات العلمية بين الدول العربية ونقص المترجمين المؤهلين في المجال العلمي، كذلك بينت الدكتورة ريم الأطرش سبب الأخطاء الحاصلة في الترجمة من الفرنسية إلى العربية التي بمجملها تعود إلى عدم إتقان اللغتين بشكل جيد، مثلاً ترجمة الأسماء الموصولة والزمن والمضاف المتعدد والتعريف والتنكير، مشيرة إلى وجود أخطاء تعطي عكس المعنى وأخطاء في المعنى ما يعكس ضعف المعرفة لدى المترجم باللغتين، مبينة ضرورة فهم عادات الشّعب وتقاليده ونمط معيشته.
كذلك ناقشت الدكتورة ميسون علي إشكالية ترجمة المسرح المعاصر–كاريل تشرشل وسارة كين نموذجاً، تقول: مشكلات كثيرة تتعلق بترجمة المسرح المعاصر وهذه تتأتى من بنية هذا المسرح وكسره لأعراف الكتابة المسرحية التقليدية فهناك شخصيات لا تأخذ هويتها من الإخراج وتبدو وكأنها تنبثق من الفراغ وعدم تحديد الزمان ولا المكان، والحوار يكون غير تواصلي وهذا يخلق التباساً، لذلك يجب أن يكون المترجم متخصصاً بالمسرح، لأن ترجمة النص المسرحي تستوجب التفكير بكيفية إعداده على الخشبة وإدراك الطبيعة الخاصة للمسرح.
لكن كيف يتعامل المترجم مع النّصوص الصّعبة، هل يتهرّب منها أم يقبل التحدي يوضح الدكتور جمال شحيد: هناك مؤلفون يعتمدون مصطلحات خاصة بهم وهذه المشكلة نحلها بالرجوع إلى القواميس للتوفيق قدر الإمكان بإيجاد المعادل، كأن نبحث عن مصطلح في علم النفس، وهناك وعورة الجمل الطويلة والنّصوص السّديمية الغائمة، إذ يتعمّد بعض الكتّاب الغموض ليتركوا للقارئ متعة التّفكير والتّحليل وهنا يقع المترجم في حيرة من أمره، أو كأن يترجم رواية فيها 500 شخصية، هناك أيضاً صعوبة في ترجمة النكات والشتائم التي تختلف من بلد إلى آخر، كذلك الأمر بالنسبة للألوان وتدرّجاتها ومدلولاتها.
هذه الأخطاء وغيرها تضعف اللغة العربية، بحسب الدكتور ثائر زين الدين، مدير الهيئة العامة السورية للكتاب، يقول: نقلت حركة الترجمة العربية وبجهود فردية على الغالب روائع الأدب العالمي الكلاسيكي، ووضع المترجمون الرّواد الذين كانوا أدباء وشعراء في لغاتهم الأم لغة جميلة سليمة وأسهموا في تقريب لغتنا من اليومي والمعيشي، وبدلاً من أن تتطور حركة الترجمة في هذا المجال وتعزز إنتاجات السابقين بدأنا نقرأ عشرات الترجمات التي تصدى لها أشخاص لا يعرفون لغتهم الأم جيداً وربما كان بعضهم يتقن لغة النص الأصلية لكنه ينبري للترجمة، ظناً منه أنّ هذا يكفي وهو من قبل لم يكتب نصّاً أدبياً أو خاطرة أو رسالة ذات مستوى أدبي عالٍ، مضيفاً: يفسد هؤلاء المترجمون لغة القارئ ويخربون ذائقته وقد يتعدى الأمر ذلك إلى إيهام الكثير من أصحاب الإمكانات الضعيفة أن اللغة التي بين أيديهم هي لغة الرواية الحقة والقصة الصافية. وبعيداً عن التّرجمات الأدبية، تعدّ الترجمة الدستورية من المسائل الصعبة جداً نظراً للدقة التي تتطلبها، بحسب الدكتور ورد حسن – المعهد العالي للترجمة- والذي قدم ورقة بعنوان: «الترجمة الدستورية.. ترجمة دستور الجمهورية العربية السورية إلى الفرنسية نموذجاً»، يقول: ترجمة الدستور تتيح للأمم التعرف على عقلية الشعب وطريقة تنظيمه الاجتماعي والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى والتفاعل مع قيمها الحية، ترجمة الدساتير جسر من جسور التواصل ما يتطلب الحد الأقصى من الأمانة والموضوعية والحيادية على صعيد اللغة والمضمون، وهذا يضعه أمام تحديات صعبة في نقل المصطلحات الدستورية. ولا يقل الخطأ في الترجمة السياسية عنه في ترجمة الدساتير نظراً لسرعة انتقال الخطاب السياسي في ظل الكم الهائل لوسائل الإعلام، وتحت عنوان «دور التّرجمة في الأزمات السّياسية: الأزمة السّورية مثالاً» طرحت ناهد هاشم –مديرة وحدة الترجمة في مركز الدراسات والأبحاث «مداد»-، أسئلة إشكالية حول عمل المترجم في الأزمات وخارجها وما مدى تأثير الإيديولوجية في عمله وكيف يقف المترجم عند نص يطرح إشكالية تتعدى المضامين الثقافية، تقول: خطورة الخطأ في الخطاب السياسي تكمن في انتقاله السريع وإقحام نفسه رغماً عنا، الأمر الأكثر خطورة يتجلى عندما يكون الخطاب والمصطلحات أساساً إشكالية بين اللغات، ولاسيما أن المتلقي متنوع فهناك الذكي والنخبوي وهناك حسن النية وسيئها وهناك من يتقبل كل شيء ومن ينتقد أي شيء، مضيفة: محاولة قراءة ما ينشر عن الأزمة في سورية كنص يحتاج تقنيات تمزج بين اللغوي والثقافي وفي الوقت نفسه تكون حساسة للمضامين والدلالات الإشكالية التي قد يحملها النص، ومتسائلة: هل يجب على المترجم تبني الحياد الكامل تجاه النص الذي يترجمه فيما يتصل بمصطلحات ومفردات قد تشكل حساسية لدى المتلقي أم عليه أن يكون منخرطاً في عملية إعادة إنتاج النص بما يلائم المتلقين؟ لا إجابة قطعية لدى هاشم لكنّها تفضّل الأمانة في نقل النّص، وتوضّح أنها تؤيد الالتزام بالمعنى المعجماتي مع وضع حاشية تزيل أي لبس. وباعتبار أنّ الاتهامات في الغالب توجّه إلى الناشر لكونه آخر من يقرأ المخطوط قبل الطباعة، دحض هيثم الحافظ رئيس اتّحاد النّاشرين السّوريين كل هذه الاتهامات متسائلاً: هل دار النّشر مدقق؟؟، ومضيفاً: دائماً المتهم النّاشر لكن يجب تصويب الاتّهام، لدينا معاناتنا كبيرة مع المترجم والمؤلف، نحن نعمل على إنتاج عمل يفترض أنّه مدقق لكن المشكلة في بعض الأحيان يأتينا مترجمون لايقبلون تدقيق أعمالهم، مع العلم أنّ بعض الكتب المدققة بحاجة لتدقيق آخر، نسعى بكل أمانة إلى تقديم أعمال متميزة في موضوع الكتب المؤلفة والمترجمة.
لا تقتصر التّرجمة على المؤلّفات المطبوعة والمقروءة فقط، بل تتعداها إلى التّرجمة التّلفزيونية والسّمعبصرية والتّرجمة الفورية وهذه كلّها تدرس في المعهد العالي للترجمة الذي قدم الدكتور فؤاد الخوري –رئيس قسم الترجمة الفورية في المعهد إضاءة على مسيرة المعهد وأسباب إحداثه والمشكلات التي يعانيها وتالياً انعكاس هذه المشكلات على حركة التّرجمة بشكل عام، يبين: نعاني عدم وجود كادر تعليمي معين على الملاك لأنّ معظم المدرسين من كليات الآداب حتى العميد، كان لدينا طلاب موفدون فصلناهم لعدم تواصلهم معنا كما أنّه من الصّعب إيجاد أقسام لكل المواضيع، وبحسب الخوري فإنّ المعهد مجهز بأفضل الأجهزة ويحتوي كبائن خاصّة بالتّرجمة الفورية التي لم تغفل الجهات المعنية في سورية أهميتها في الفعّاليات التّنموية ونشاطات التبادل الفكري والثقافي والاقتصادي وغيره، لكن يعاني هذا التخصص ماتعانيه التخصصات السابقة، تقول الدكتورة لميس العمر: هناك نظرة مغلوطة للمترجم الفوري في مؤسساتنا إذ يعدّ مهنة ثانوية مع أنها مهنة بحاجة للتبّحر في عوالم اللغتين الأصل والهدف، لذلك يعاني المترجم الفوري في سورية من مشكلات عدّة تتمثل بعدم وجود توصيف وظيفي واضح المعالم أي من الممكن أن يشتغل ضمن المؤسسة أعمالاً ليست من اختصاصه، إضافة إلى تجاهل المشكلات الصحية التي تسببها هذه المهنة فهو عرضة لضرر وتلف في السمع ووظائف الذاكرة، هذا فضلاً عن تفاوت وعدم استقرار المردود المادي لأسباب منها استغلال المنظمات الدولية الظروف الحالية في البلاد إذ تطلب من المترجم العمل يوماً كاملاً، إضافة إلى عدم وجود مرجعية مهنية محلية تضبط معايير ممارسة المهنة وتطويرها.
كل ما سبق يضعنا أمام مسألة مهمة جداً وهي تحديد ما للمترجم من حقوق وما عليه من واجبات، يبين عدنان جاموس –عضو اتحاد الكتاب العرب وماجستير في فقه اللغة الروسية-: هناك مشكلة مزمنة تفرض نفسها بقوة دائماً وهي تحديد واتّخاذ التّدابير التي تجعل المترجمين المكلّفين يقومون بعملهم وهم مقتنعون بأنّ عملهم يتكامل مع جهود الآخرين المعنيين بتنفيذ الخطة ثقافياً وإدارياً وفنياً ويسهم في تنفيذ مهمة كبيرة وأن المكافأة التي سينالها المترجم متناسبة مع جهده المبذول، هذا يعني أن تكون الترجمة أمينة والنّص المترجم مكافئاً للنّص الأصلي الأمانة في الترجمة لاتعني الترجمة الحرفية التي يقوم بها عادة غير الكفء.
أخطاء الترجمة تكاد تكون واحدة في مختلف المجالات مع فروق بسيطة تتعلق بخصوصية كل مجال، كذلك الحلول والحقوق والواجبات، هذا ما لحظناه في مختلف ورقات العمل التي قدمت في الندوة على مدار يومين التي ختمها حسام الدين خضور مدير مديرية الترجمة في الهيئة العامة السورية للكتاب بعرض لما تعانيه الهيئة في هذا المجال ومن ثمّ قدّم مجموعة مقترحات للنهوض بالترجمة في سورية منها الفصل بين التأليف والترجمة والإسراع في وضع خطة تنفيذية للمشروع الوطني للترجمة وفتح كليات لتعليم اللغات وإقامة ورشة عمل تجريبية للترجمة يشرف عليها المعهد العالي للترجمة ومديرية الترجمة في الهيئة ودراسة إمكانية إنشاء رابطة للمترجمين السوريين والإعلان المبكر عن جائزة سامي الدروبي للترجمة وتخصيص جائزة تشجيعية سنوية لأفضل كتاب مترجم للمترجمين الشباب.
ليبقى السؤال المعلق والمؤجل دائماً بلا جواب ولا نقاش: ما مصير المؤلفات الأدبية العربية المترجمة إلى اللغات الأخرى؟!

print