وقع بین يديّ قبل أیام كتاب قیّم، وهو الترجمة العربية لـ «مثنوي معنوي» دیوان شعر أحد أعظم شعراء إیران بل العالم وهو «مولوي» المعروف بجلال الدین الرومي، بالنسبة لي كمستشار ثقافي لبلدي في سوریة فإن هذا العمل الأدبي القّیّم یدلّ علی أنّ سوریة رغم كل الظروف الصعبة التي مرّت وتمرّ بها حافظت علی دورها المتمیز في التواصل الثقافي الإیراني- العربي.
سوریة عبر تاریخها قبل الإسلام وبعده كانت نقطة تلاق ثقافي وصلة وصل حضاري بین الشرق والغرب وخاصة بین إیران والغرب ما أنتج تبادلاً علمیاً وثقافیاً ظهرت نتائجه في العمارة وترجمة الكتب ونقل العلوم، واستمر هذا الدور إلى ما بعد الإسلام؛ إذ كانت سوریة أحد أهم المقاصد لجولات العلماء الإیرانیین وكثیر منهم كان یقیم لفترات طویلة في الشام یلتقي بالعلماء ویعاشر الناس ویؤلف كتباً؛ فمِن السعدي الشیرازي أحد عمالقة الشعر والأدب الفارسي الذي عاش فترة من حیاته فی سوریة انعكست في شعره وأدبه، مرورا بالشیخ شهاب الدین السهروردي الفیلسوف والعارف الصوفي الإیراني الذي يقع ضريحه في حلب، إلى العلامة الزنجاني العالم الایراني الذي عينّ عضواً في مجمع اللغة العربیة في سوریة.
أيضاً في التاریخ المعاصر نشاهد حركة لافتة في ترجمة المصادر والمراجع الفارسية وخاصة المصادر الأدبیة من قبل الأدباء السوریین إذ أغنوا بعملهم هذا مكتبة الحضارة الإنسانیة وأدّوا دورهم المنشود كعامل مؤثر في التواصل الثقافي بین مكونات حضارتنا الإسلامیة والعربیة من جملتهم الأستاذ والأدیب المرحوم محمد الفراتي ابن مدینة دیرالزور البار والاستاذ الدكتور محمد التونجي الأستاذ المقدام ؛ أوّل سوري تخرّج من جامعة طهران – قسم اللغة والأدب الفارسي في ستینیات القرن الماضي، وأيضاً الأستاذ الدكتور عیسی العاكوب الجامعي المرموق والدكتورة ندی حسّون أستاذة اللغة والأدب الفارسي وآخرون. أمّا بخصوص الكتاب الذي ذكرته في البدایة فهناك طابع مهم لهذا العمل الضخم الذي قام به الدكتور علي عباس زلیخة ونشرته دارنینوی في ستة أجزاء فی دمشق وهذا الطابع یتعلق بزمان نشر هذه الترجمة، إذ إنه لیس خافیاً علی أحد صورة العربي التي كان يتمّ ترویجها في الغرب من خلال وسائل الإعلام والفن وخاصة السینما حیث أصبح الرأي العام الغربي یتصوّر العرب «یعیشون في البادیة، یركبون الجمل ولا همّ لهم إلّا الحرب والجنس» وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول أصبح «الرأي العام العالمي هدفاً للماكینة الإعلامیة الغربیة الصهیونیة لتصویر المسلمین إرهابیین یقتلون الناس بلاهوادة وبأسوأ أشكال القتل التي تقشعّر لها الأبدان ویتقاتلون بعضهم البعض كأنهم عطشی للدم ولایمكن لأحد في هذا العالم التعایش مع المسلمین».
ولذلك فإنه في مثل هذه الظروف والأجواء علینا أن نقدّم الصورة الواقعیة للمسلم إلی العالم من خلال استحضار الشخصیات المتفق علیها من المسلمین كافة بأنّها تجسّد شخصیة المسلم الحقیقي، ولما كان جلال الدین الرومي «مولوي» أحد أبرز هذه الشخصیات كما عرّفه الدكتور علي زلیخة في مقدمة كتابه «جلال الدین الرومي» شاعر عظیم وعارف كبیر وحكیم وفیلسوف فارسي، فإن له بین عظماء الشعر والفكر الفارسي شأناً خاصاً، قامته في الشعر العالمي لا تُسامی، حتى إنه لم یكتف البعض بتسمیته شاعر الفرس الأوّل بل سمّوه شاعر العالم الأوّل وأثنی علیه الجمیع، كلّ من جهته، من شاعر وعارف وفیلسوف.
«المثنوي المعنوي» لجلال الدین الرومي، كتاب شعري قصصي معرفي عرفاني دیني أخلاقي سلوكي شامل كبیر، یضمّ ما یقرب من ثلاثین ألف بیت من الشعر وهو شامخ كالطود المنیف، تفیض من كلّ جانب من جوانبه ینابیع الحكمة وكلّ بیت منه مبعث إعجاب وفي كلّ بیت منه إبداع وقد حظي باهتمام الشعراء والعرفاء والفصحاء والبلغاء ونال إعجاب العظماء».
ما قاله الدكتور زلیخة عن «مولوي» وشعره لا ینحصر بنا كمسلمین أو عرب بل تعدّی صیت «مولوي» كلّ الحدود الجغرافیة حیث تمّت ترجمة أشعاره ودواوینه الشعریة إلى كلّ اللغات الحیّة في شرق العالم وغربه وبهذا أصبح «مولوي» شاعراً عالمیاً بامتیاز، إذ إن أحد أسباب هذا الإقبال هو عالمیة فكر المولوي؛ فهو عالم إسلامي ذو أفكار عالیة متجذرة في فطرة الإنسان التي فطره الله علیها فلم یتقیّد بزمان ولا بمكان، فكره مبنيّ علی مسائل الإنسان الأساسیة كالعشق والإیمان والعدالة والتي لم ولن تخلو حیاة البشر منها، بهذا السبب نری إقبالاً عالمیاً علی «مولوي» وشعره متجاوزاً كلّ الحواجز كاللغة والعرق والدین، بل ما زال العالم مبهوراً أمام هذه الظاهرة؛ فصحیفة «الغارديان» البریطانیة كتبت: «هذا أمر لا یُصَدّق، الأكثر مبیعاً من الأشعار في أمیركا لیس لأي من كبار شعراء أمیركا من أمثال روبرت فروست أو فالاس ستیفنز أو…. بل الأكثر مبیعاً من الأشعار بشكل مذهل هو أشعار كلاسیكية لشاعر مسلم اسمه مولويكان عاش قبل قرون یعلّم الشریعة الاسلامیة». وأضافت الصحیفة في هذا الصدد: «إحدی ترجمات أشعار مولوي إلی الإنكلیزیة وهي ترجمة كُلمن باركس الأدیب الأمریكي بیع منها ملیون نسخة في العالم» علماً أن باركس أستاذ الأدب الإنكلیزي في جامعة جورج تاون الأمریكية قام بترجمة منتخب أشعار مولوي ونشرها في سنة 1996، ولاقت رواجاً غیر متوقع حیث احتلّ صدارة مبیعات الكتب في الولایات المتحدة الامریكیة لسنوات متتالیة. والاهتمام الأمریكي لم ینحصر بترجمة أشعاره بل تعدّی ذلك الی ساحات أخری فهناك دروس في شرح وتفسیر أشعار مولوي في الجامعات الامریكیة. أيضاً الجدير ذكره أن هناك مهرجانات ومؤتمرات وملتقيات تقام من قبل المجامیع الأدبیة والثقافیة حول المولوي وشعره وفكره، وحتى إن بعض نجوم الغناء المعاصرين لحّنوا وغنّوا أشعاره نظرا لجمال كلماتها وايقاعها المتناغم.
عالمیة «مولوي» وشعره دفعت منظمة «الیونیسكو» إلى أن تُسميّ سنة 2007 باسم «مولوي» تبعها كمّ كبیر من المؤتمرات والمهرجانات حوله في شتّی أرجاء العالم.
شخصیات كهذه تمثل شخصية المسلم المنشود في الكتاب والسنة ویقدّم المعیار لفصل المسلم عن مدّعي الإسلام، هذه الشخصیات یمكن أن تؤدي دوراً مؤثراً في كسر الصورة النمطیة المغلوطة التي يقدّمها الإعلام الغربي المتصهین عن المسلمین إلی الرأي العام العالمي، ولا شك في أن هذا أیضاً رأي العدید من المفكرین في الغرب من جملتهم هانز ماینك الشاعر الألماني في هذه الشخصية التاريخية العظيمة یقول «شعر مولوي الأمل الوحید المتبقّي لنا في هذا العصر المظلم الذي نعیش فیه»، أمّا لي بریتشتي مدیر جمعیة الشعراء في أمریكا فیقول: «أشعار مولوي تفوق الزمان والمكان والثقافة، إنه یتحدث عن الشعور بالحیاة».
من هنا؛ علینا نحن المستهدفين من قبل الماكینة الإعلامیة الغربیة المتصهینة وبعض الدول المتعجرفة والمستكبرة الاهتمام بإحیاء ذكری شخصیاتنا العظیمة التاريخية والمعاصرة حيث یزخر مخزوننا الحضاري بفخر القامات والهامات بنتاجهم العلمي والأدبي للحضارة الإنسانية، نحیي ذكراهم، نكرّمهم، نقدّمهم إلی العالم كنموذج لشخصیة المسلم والعربي الحقیقي.
الكل يدرك أن الغزو الإعلامي والثقافي هو في ظاهره حرب ناعمة لكنه في باطنه حرب شرسة، وقدرنا أن نخوضها دفاعاً عن هويتنا المستهدفة؛ أيضاً سلاحنا في هذه الحرب شخصیات مثل مولوي، نكتب عنهم وننشر نتاجاتهم العلمیة والثقافیة ونقدّمهم إلی مجتمعاتنا وإلی العالم.
إن سوریة، بمخزونها الحضاري ودورها في بناء حضارتنا جنباً الی جنب بمختلف مكونات العالم الإسلامي بإمكانها أن تؤدي الدور الریادي في هذه الساحة كما تؤديه في ساحة النضال المقدس واثبات الهوية، وما نشرُ أمثال هذه الترجمة- ترجمة المثنوي المعنوي – ليس إلّا خطوة بهذا الاتجاه، نأمل ألا تتوقف وتعاود المسير.
المستشار الثقافـي فـي سفارة
الجمهوریة الإسلامیة الإيرانية فـي سوریة

print