ت- محمد فندي
يأخذنا العرض المسرحي الفني «النصر ساعة صبر» الذي قدم احتفاء بمناسبة حرب تشرين التحريرية على خشبة مسرح دار الأوبرا، إلى أهوال الحرب لنعايشها مجدداً ومجدداً عبر أصوات الجنود في المعركة وأصوات الأمهات المنتظرات فلذات أكبادهن والثكالى اللاتي ينعين قلوبهن ويمتن حزناً كل يوم، وأصوات الشهداء تخاطبنا من أعالي السموات، فهل ترك فينا التأثير اللازم؟!
العرض كتبه محمود عبد الكريم بأسلوب الشعر المسرحيّ، لم يضف جديداً إلى ما سبق أن شاهدناه في الأعوام الماضية على الخشبة نفسها وللمخرج نفسه، بل كان تكراراً منمقاً في الصور والأفكار المطروحة والرؤية البصرية والفنية والإخراجيّة.
العرض جاء مزيجاً متجانساً إلى حدٍ ما بين التمثيل والرقص والغناء، ومعتمداً على ثلّة من الفنانين السوريين جميلي الحضور ومبدعي الأداء، نذكر منهم سلمى المصري ولينا حوارنة، ومريانا معلولي ورنا جمول ولجين اسماعيل ويامن سليمان وكرم الشعراني ومالك محمد وآخرين، ربما كانوا هم الحامل الرئيس للعرض الذي نستطيع أن نصفه بالبسيط والمكثف، والبساطة هنا لا تأتي بمعناها الإيجابي، فرغم جمال البساطة إلا أنها إن دخلت في التكرار، أرهقت أعصاب الجمهور.
مخرج العرض مأمون الخطيب حاول رفع مستوى العرض بالإبهار البصري والصوتي، عبر موسيقا طاهر مامللي، وصوت شهد برمدا التي أنهت العرض بأغنية (يا جيشنا العظيم)، كما أنه اعتمد أيضاً على اللوحات الراقصة التي تخللت المشاهد، والتي لم تكن ذات تأثير مهم ولم تطرح فكراً جديداً إلا واحدة هي لوحة الاشتباك.
خطأ فادح
العرض يبدأ بمشهد تمثيلي للفنانة سلمى المصري، التي تنادي ابنها الجندي الذي لم تره منذ ثلاث سنوات بصوت قلبها، فيفاجئها بحضوره في مشهد لم يكن مقنعاً كفاية من حيث كمية المشاعر التي وصلتنا، بل امتد إلى أكثر من ذلك، فقد كانت سلمى المصري تعذب نفسية ابنها بشوقها له، وتحاول إثارة شفقته لا عزيمته، وكان هو من يقنعها بضرورة أداء الواجب والذود عن تراب الوطن، وحماية كرامة الفتيات، فقدم المشهد الأم السورية كائناً ضعيفاً ومستسلماً خائفاً وأنانياً، لا يهمها سوى سلامة ابنها، ومن بعده الطوفان، أما الخطأ الفادح في المشهد فهو ما نطق به الكاتب على لسان المصري حين أجابت ابنها الذي سألها «هدول المسلحين اللي اجوا من كل العالم ليقاتلونا ما عندهن أمهات!» ليفاجئنا عبد الكريم برفع دعوة على خشبة مسرح دار الأوبرا بالدعوة لأمهات المسلحين بالصبر!، حيث تجيبه المصري «الله يصبر قلب كل الأمهات يا أمي!» الجملة التي كانت خطأ فادحاً –في اعتقادي- وإهانة مؤلمة لحزن كل أم شهيد، دفعت وتدفع كل يوم دماء قلبها دموعاً على ابنها الذي استشهد وهو يقاتل هؤلاء الإرهابيين الغرباء.
استعراض مسرحي
مشهد لوحة حلب والحوار الذي دار بين أيمن زيدان، عبر الفيلم المعروض على شاشة عرض بيضاء ضخمة في أعلى المسرح، وبين الجنود على المسرح، كان محاولة غير مفهومة الغاية منها، ومع تقديرنا للفنان أيمن زيدان، لكن ما الفكرة من أنه يحدثهم عبر شاشة إسقاط من قلعة حلب، وهم أيضاً يحدثونه من حلب! وعلى أهمية وقيمة الحوار الذي دار وتركيزه على شحذ الهمم والأمل بالنصر القريب، إلا أن المشهد بدا أقرب للاستعراض المسرحي منه للتأثير والتغيير.
لوحة الاشتباك الراقصة جاءت لتعدل الأمر، وربما كانت اللوحة الراقصة الوحيدة ذات القيمة الفنية والفكرية العالية، حيث دارت معركة بين راقصين يلتحفون اللون الأسود ويبدون كالغربان، وبين جنود الجيش العربي السوري بزيهم الرسمي المقدّس، وحين ينتصرون ينتقل الممثلون إلى لوحة تمثيلية أخرى يحتفي بها الجنود بالنصر في مزيج موفق بين السيناريو والغناء الذي أداه بلال الجندي باحترافية عالية وصوت قوي ومتمكن (يا بدمنا يا بالنصر.. والنصر ساعة صبر).
الفتاة (مريانا معلولي) وهي جندية في صفوف الجيش العربي السوري، تحاور زملاءها الجنود عبر شعر مسرحي يحيي صمودهم ويبارك نصرهم، حاملاً رموزاً من كل المحافظات السورية تراوحت بين الياسمين وتراب تدمر وسهل حوران، رافقها صوت بلال الجندي في لوحة تمثيلية كانت بقناعتي الأجمل في اللوحات المسرحية.
أما لوحة أمهات الشهداء، فكانت شاعرية وحالمة أكثر منها واقعية، ودار فيها حوار بين أميّ شهيدين، أحدهما طيار والآخر جندي، وعلى الرغم من الأداء المتفوق لمؤديه، إلا أنه بدا مكرراً في كثير من جمله، وعلى الرغم من قدسية وجع الأمهات، في ندبهم لجروحهم العميقة، إلا أن المشهد لم يطرح فكراً عالياً أو مغايراً عن عمل السنة الماضية (الدم حبر الحق).
الشهداء ردّوا على أمهاتهم يوصونهم بالصبر والتسلح بالإيمان وحب الوطن، وأن يغسلوا حزنهن بالمطر، ليرتفع المشهد ويتوَّج بوقوف الشهداء بأذرعٍ ممدودةً يُمنةً ويُسرة، وكفوفهم للأرض وكأنهم يرسلون إلينا السلام، ورفعت الأمهات أيديهن للأعلى في الدعاء «يا بدمنا يا بالنصر.. والنصر ساعة صبر»
«انتصروا» رسالة خرج بها الممثلون على المسرح بالتتالي، يلقون فيها ما في جعبتهم من شحذٍ للهمم، وتقوية للعزائم، وتذكير بنصر حرب تشرين في الأمس، وربطه بنصر اليوم، رافقهم فيها عرض صور شهداء سورية الضباط الخمسة، وصور متتالية لعدد بدا غير منتهٍ من الشهداء الأبرار «انتصروا للناس.. للشهدا.. للولاد.. كرمال هالأرض الطيبة انتصروا.. انتصروا باسم الله باسم الشعب باسم الأرض.. عم نناديكن انتصروا..» لينتهي العرض بلوحة راقصة على أغنية «يا جيشنا العظيم يا جيش البشارة» لشهد وعبود برمدا.
الرؤية البصرية على تكرارها كانت جيدة في العموم، والعرض –بقناعتنا- لا يجب أن يكون للفنانين والممثلين والنخبة المثقفة من المجتمع، بل يجب أن يراه جنود وأهالي جنود الجيش العربي السوري، فهو موجه لهم، يحاكيهم يناديهم، ويشد على أياديهم، ونرفع معه أمنية للمخرج بأن يجول العرض المحافظات بعيداً عن النخبوية، ويلامس أرواح الشعب ورجال الجيش على الأرض.

print