يتميز كل عصر من العصور بقيم وذوق عام يختلف مع مرور الأيام عما هو سائد في العصر الذي يليه، ولعل هذا الاختلاف أحد أهم ركائز التطور بالرغم من رفض الجيل القديم كل نتاج يطرحه الجيل الأكثر حداثة، وفي الوقت نفسه يأنف أنصار الحداثة النظر إلى الوراء وهذا ما يسميه البعض خطأ «صراع الأجيال».
هل حقاً هذه الإشكالية موجودة؟ وإن كانت موجودة فما حجم الهوة بين الأجيال؟ وهل هي اليوم كما كانت في الأمس؟ هل هذه الهوة إلى ازدياد أم إلى انحسار؟ّ! هذه الأسئلة طرحتها «تشرين» على بعض من التقتهم فإليكم التفاصيل:
الحوار لتضييق الفجوة ‏
السيدة عفراء، وهي أم، ولديها عدد من الأولاد في مرحلة الشباب تذكر: إن الاختلاف دائماً موجود عبر التطور البشري، وميزة الخلاف اليوم أنه متزايد بينما كان في البداية بطيئاً، ربطاً بالزمن، ومتغيراته، فالحوار هو أهم أدوات التفاهم، والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، في البداية- تذكر السيدة عفراء- لم يكن هذا الحوار «حواراً»، بل كان يعني، الأوامر، والسلطة المطلقة هي السائدة، ومع التطور، صار هناك ما يسمى الحوار الذي مرده إلى أن كل شخص يزعم أنه الصح، وكل جيل يرى نفسه أنه الأصح، لكن«الجيل الجديد دائماً بحاجة إلى الحراسة والمراقبة» لأن التجربة تغلب الحكمة، لذلك يجب ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق، وأعتقد-تضيف عفراء- أن هناك في المجتمع العربي فجوة بين أجياله، تعود لندرة الحوار، والكل يعرف أن الشباب قوة، ويملكون قوة الفعل، وإنجازه، أما الكبار فيملكون المعارف والتجارب فنحن بحاجة للاثنين معاً.
فتش عن الإنترنت ‏
أما فؤاد، فيتحدث عن علاقته المثالية مع والده رغم أنهما مختلفان جداً في نشاطاتهما، وهواياتهما، فهو مرتبط بوالده لأبعد حد، يقول: الشيء الذي يجمعنا هو المطالعة، وفيما هو يميل إلى السياسة، اهتمامي يصب في كل ما يخص الخيال العلمي والتكنولوجيا، لذلك نادراً ما يكون هناك حوار بيني وبينه، وأكثر وقتي أقضيه على النت، الذي من خلاله كوّنت عالمي الخاص وعلاقاتي، فجيلي هو جيل الكمبيوتر، وربما هذا التطور هو الذي أبعدنا قليلاً عن الحوار مع من حولنا.
جيل غاضب ‏
أما هيثم، وهو شاب في مقتبل العمر، فيذكر: إن أزمة جيل الشباب هي أزمة المجتمع عامة، وترجع إلى طبيعة بنية المجتمعات العربية واختلاف نظام الإنتاج والعلاقات الاجتماعية وقصور أسلوب العمل فيها.. وفي رأيه إن جيل الشباب هو جيل غاضب من الأجيال التي سبقته، والمجتمع الذي ينتمي إليه يجمع أفراده «خصام عنيف» مع الواقع الذي يعيشون فيه، ويرى أن سبب اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء هو اتساع مجال حرية الأبناء من ناحية، والتقدم العملي والتكنولوجي من جهة أخرى، إضافة إلى العجز المادي لهذه الأسرة أو سوء تصرفها في مواردها، فلا يبقى ما يكفي الأبناء، ولكن للارتقاء وردم هذه الفجوة وتضييقها -في رأيه- يجب الدخول في حوارات دائمة عن حاجات كل جيل، فالصداقة لها دور كبير في النضج النفسي والاجتماعي للأبناء ويغلب على المراحل السابقة من التفاعل خطاب أبوي قوي سلطوي يتعالى على الابن، لذا يجب أن يبتعد الخطاب عن الفوقية وتسود بينهما العلاقات التبادلية من أنشطة محببة إلى الطرفين، تمنح كل فرد منهم شعوراً بالجدارة وتقدير الذات.‏
زمان غير الزمان ‏
هاني يبلغ من العمر ستين سنة، يرى أن الجيل القديم غير الجيل الجديد، وأن المشكلة الأساسية عندما يحاول الجيل القديم أن يفرض على أبنائه ما تعوّد عليه في عهده، فالعادات غير التقاليد، لأن العادات تتأثر بالتطور الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي، أما التقاليد فتظل راسخة كالأخلاق والدين وقضايا الوطن، فإذا ما رغب الجيل القديم في أن يجبر الجيل الجديد على العادات نفسها فسيؤدي ذلك إلى التصادم، لذلك ينبغي أن يعي الجيل القديم أن المجتمع قد اختلف من حيث آليات التطور الاجتماعي والعلمي، وتفادي هذا التصادم بالإدراك، وأن يكون مرناً متفهماً لهذا التطور، وأن يكون صديقاً لجيل الأبناء متفهماً لقضاياه ومشكلاته، وهناك قول للإمام علي بن أبي طالب: «لا تجبروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم».
على حافة جيلين
أما علي، وهو على الحافة بين جيلين كما يُعرّف عن نفسه، أي بين الشباب والكهولة لأنه في الخامسة والأربعين فيقول: بحكم وجودي على التخوم، أي أنا من المخضرمين إن صح التعبير، فأنا أحمل الكثير من الجيل الذي سبقني كما أحمل الكثير من الجيل الذي يعاصرني، والذي يصغرني، وأرى في مسألة الأجيال وهماً كبيراً، على سبيل المثال أنا صديق للكثيرين من الذين تجاوزت أعمارهم الخمسين وهم في وعي فكري يفوق الكثير من وعي شباب العشرين والثلاثين والعكس صحيح أيضاً، لذلك فإن مسألة الأجيال اليوم لا تعدو أن تكون وهماً، وقد أثبتت التجارب زيف هذه المسألة، ربما قبل عقد السبعينيات من القرن الماضي كان يمكن الحديث عن هوة واختلافات بين الأجيال، اليوم على سبيل المثال نصطدم كثيراً بأشخاص من الفترات التي يسمونها ذهبية، فعند البحث نجد أنها ليست أكثر من «تنك»، فبعد المعاينة نجد أن ما تم الحديث عنه من فترات النهوض وانبعاث وغير ذلك ليس إلا خداعاً، كما لا أرى أن الوعي الفكري اليوم الذي يتجه صوب النكوص، أفضل من الحراك الفكري الذي كان يشتعل في السبعينيات، كما أن الكثير من الشخصيات التي كانت يوماً ما مشعلاً للعلمانية واليسار اندحرت اليوم باتجاه الانغلاق.

print