ت: طارق الحسنية
لن نفيك حقك، فأنت السباق إلى عمل الخير ونشر الفضيلة.. أيها الشامخ شموخ أشجار الجوز في جرمانا والسنديان في جبل العرب.. كم انتصرت للفقراء وعالجتهم وأعنتهم بالمال والدواء.. شهدت جرمانا جولاتك وصولاتك الطبية في رحابها وساحاتها وشوارعها، فأنت النهر المتدفق من الشهامة والكرامة وسيذكرك التاريخ.
دكتور الإنسانية وطبيب الفقراء إحسان عز الدين هكذا يلقبونه ويصفونه على مدى نصف قرن من العطاء والعمل الدؤوب فهو يصل الليل بالنهار لخدمة الفقراء والمحتاجين القادمين لعيادته من المحافظات والمناطق السورية كلها، ولسان حال الجميع الذين يدعون له بالخير والتوفيق وطول العمر يقول: «علمنا كيف بنيت مجدك وطريق الوصول لمحبة الناس وخدمتهم وبما يعزز مكارم الأخلاق بعمل الخير ونبل المسير، فأنت سليل بيت كريم وتاريخ حافل من الآباء والأجداد في العطاء، ولو لم يكن في كفك غير روحك لجدت بها». هذا بعض مما يمتلكه طبيب الإنسانية الذي رشح من قبل هيئة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ليكون أحد الخمسة المرشحين على مستوى العالم لنيل جائزتها الدولية لما قام به من عمل جبار في مجال العمل الإغاثي والإنساني.
على المبدأ
يقول الدكتور إحسان عز الدين في حواره مع «تشرين» رداً على تساؤلنا عن الترشيح للجائزة وما يعني له: أعتز بالتكريم الذي حصل بمناسبة ترشيحي وفي هذه المرحلة التي وصلت إليها، وسأبقى على الطريق الذي نذرت له نفسي منذ أول يوم لتخرجي في كلية الطب وحتى الآن في خدمة الناس والمحتاجين.
توصف بأنك طبيب الفقراء فيرد مسرعاً: هذه مبالغة، ونضيف لكن هذا الشيء يطلقه الناس عليك لأنك نذرت نفسك وحياتك لخدمة مسيرة عملك برغم الإغراءات المادية الكثيرة في هذه المهنة فيجيب: عشت في بيئة متوسطة الدخل، وكنا على مقربة من هموم الناس ومشكلاتهم وتابعت ذلك=مذ كنت طالباً وخاصة على صعيد الطب والدواء، فالمنطقة لا يوجد فيها أطباء والمواصلات صعبة، ولذلك منذ اليوم الأول لدخولي كلية الطب البشري قلت بيني وبين نفسي سأعمل شيئاً لأخفف العبء عن الناس من خلال إرضاء ضميري وتحقيق معادلة عدم الحاجة وكذلك عدم إرهاق المرضى.
•ألم يحرجك هذا الأمر مع زملائك الأطباء؟
••كان بعض الأطباء (وهم من خارج جرمانا) يدعون أن هذا العمل الذي أقوم به هو من باب الدعاية والمزايدة والمزاحمة في العمل، لكن ردي كان واضحاً بأن من يزايد تكون المسألة لديه فترة قصيرة وينكشف أمره، أما على صعيد المزاحمة، فإنني من أبناء البلد، والأطباء الجدد قبل دخولهم لكلية الطب كانوا من مرضاي، وبيني وبينهم علاقة مودة واحترام وأستشيرهم وأتعلم منهم، وهم في اختصاصات عالية ومشهود لهم بذلك.
ودائماً كنت أقول: على الطبيب ألا يجلد مرضاه مادياً وأحاول جاهداً إراحة ضميري من هذه الناحية، لأنه في لحظات معينة قد لا يستطيع المريض جلب الدواء، وقد نحرمه من شراء حاجة ضرورية، وكنت أقدم الأدوية المجانية المتوافرة في العيادة للمحتاجين ولا فرق بين قريب أو بعيد وبين أهلي.
لم يشف إلا على يديه
•قبل التوجه للقاء الدكتور إحسان بيوم التقيت مصادفة حسين ريحاوي من حلب كان جالساً عند أحد الأصدقاء وكان حديثنا عن الدكتور إحسان فقال صراحة: لم يشف ابني إلا على يدي الدكتور إحسان برغم أنني سبق أن أخذته إلى ثلاثة أطباء متخصصين، فما هذه القناعة والروحانية عند هذا الأب وغيره من الأهالي بما تقدم؟
••شفاء المريض ليس بالدواء والوصفة فقط، فالمريض إذا لم يشعر بالأمان ووثق بطبيبه فلن يشعر بالراحة، وأثناء دراستي في كلية الطب كان الدكتور نظمي القباني رحمه الله يقول لنا مثلاً فرنسياً: «المزار يلي ما بتحبو لا تروحو». والأمر ذاته بالنسبة للطبيب إذا لم تكن تثق به فلا تذهب إليه، والحمد لله أنني خلال دراستي منذ المرحلة الابتدائية وحتى تخرجي في كلية الطب البشري كنت بين الخمسة الأوائل على الدوام، وأحرص على متابعة كل جديد في مجال الطب، وأبذل قصارى جهدي وذهني وخبرتي لأقدمها للمريض.
•وهل يأتون إليك من المحافظات؟
••حين تأتي لطبيب هدفه الفائدة وعدم الابتزاز وأخذ المال وتثق به تتحقق الفائدة من قدومك، وفي الحالات الصعبة التي تحتاج تخصصاً لا أجد حرجاً بتحويلها إلى المختصين وهم كثر فأشعر بالأمان عند ذهاب مرضاي إليهم وحصولهم على حقهم من الرعاية الصحية والمعالجة.
خلال 7 سنوات من الحرب على سورية كنت أعالج يومياً ما يزيد على 200 مريض من المهجرين والمحتاجين ممن تركوا بيوتهم وأرزاقهم، وحاولت أن أقدم لهم ما أستطيع وما عملت إلا واجبي الإنساني كطبيب وأي شخص قد يقوم بذلك.
•بماذا تنصح أطباء المستقبل؟
••أن يضعوا في ذهنهم منذ البداية أن الطب مهنة إنسانية وألا يضعوا الناس تحت عبء مادي لأن المال يذهب ويأتي، والدنيا دوارة وعلى الطبيب أن يحافظ على كرامته ويريح ضميره ويتقي الله ويقدم خبرته بشكل عملي للناس.
جمعية خيرية
•إلى جانب عملك الإنساني هناك جانب اجتماعي مهم متمثل في الجمعية الخيرية في جرمانا التي كان لكم اليد الطولى في نجاحها فماذا عنها؟
••عندي قناعة بأن العمل الطبي يأخذ زاوية، والعمل الاجتماعي يكمله، ولذلك منذ 17 سنة وبمساعدة بعض الزميلات المعلمات المتقاعدات قررنا توزيع جهدنا الخيري المبعثر والعشوائي وأنشأنا جمعية «جرمانا الخيرية» وهي جمعية منظمة تقدم المساعدات بشكل منظم ومدروس للمحتاجين والفقراء، ومن أهدافها مساعدة المرضى والمحتاجين والأرامل والعجزة والطلاب غير القادرين مادياً على إكمال دراستهم، وقد اكتسبت مصداقية لكون الأعضاء لديها ليسوا بحاجة للشهرة أو الغنى المادي، فعملهم تطوعي وكما يقال «عملوا من قلب ورب» وفي العام الماضي أنشأنا معملاً للخياطة بمساعدة (UNDP) فيه 50 ماكينة خياطة تؤمن فرص العمل لنحو 60 عائلة. والجمعية تعتمد على المساهمات المادية الفردية تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي تؤمن المتبرعين على صعيد الشركات وترسل المواد التموينية والملابس أحياناً لنقوم بتوزيعها على مستحقيها.
شريك دائم
وقال الدكتور عز الدين عن شريكته الدائمة في الحياة والداعم والمساعد الأساس له: تستحق أم سماح التحية لأنها تحملت معي أعباء الحياة وحملت عني عبء البيت وتربية الأولاد ولم تدخر جهداً في سبيل نجاح عملي، ووالدي ووالدتي كانا على المنوال نفسه، وزوجتي معلمة تعرف البلدة وتقول: لا يمكن أن أرد طالباً من طلابي أو والداً له، وهذا ما شكل عاملاً مهماً وبارزاً في نجاحي في عملي، وأتمنى من الله أن يمنحني الصحة حتى استمر في خدمة الناس.
احتفالية تكريم
خلال احتفالية مدينة جرمانا لتكريم الدكتور إحسان عز الدين التي رعاها أمين فرع ريف دمشق لحزب البعث العربي الاشتراكي أحمد همام حيدر، وبحضور محافظ ريف دمشق المهندس علاء إبراهيم، ونقيب أطباء ريف دمشق الدكتور محمد مرجان، في قاعة لازورد بالاس التي غصت بالفعاليات الأهلية والاجتماعية تحدث العديد من المشاركين لتشرين عن معاني ذلك التكريم. حيدر قال: نكرم اليوم الرجل القدوة الذي قدم الكثير لأهله ومجتمعه من أعمال خيرة سواء في الجانب الصحي أو الجانب الاجتماعي، وكما حدثنا الأهالي فهو يتقاضى مبالغ مادية رمزية لا تكاد تغطي تكلفة الورق الذي يصف فيه الدواء لمرضاه. وتالياً هذا التعبير الصادق من أبناء المدينة لهذا الرجل هو وفاء منهم وأقل العطاء الذي يمكن أن يقدموه له.
وفي الحقيقة هذا الوفاء هو ما تحتاجه سورية اليوم هو أساس.. وفاء أبناء الشعب بعضهم لبعض ووقوفهم متكاتفين في هذه الحرب، وهذا الوفاء يشكل وحدة الشعب العربي السوري والعمود الرئيس الذي يرتكز إليه صمود سورية وانتصارها على الأعداء. وعندما نتحدث عن عظمة سورية لا نتحدث عن الجغرافيا فيها بل عن قاماتها الكبيرة كقامة الدكتور إحسان عز الدين. وأضاف حيدر: كل سورية تعتز وتفتخر بهذا الرجل القدوة وهو كتلة من التواضع، نحن نكرم أنفسنا بوجودنا مع هذا الرجل الكبير بعطاءاته النبيلة ومسيرته المشرفة.
محافظ ريف دمشق المهندس علاء إبراهيم قال: نكرم اليوم هذا الطبيب الذي وهب حياته لخدمة الناس وتقديم ما يحتاجونه في مجال الطب ومن دون أي مقابل، وكان واجباً على أهل جرمانا وعلينا أن نكرم الدكتور إحسان لأنه قدوة لكل مواطن سوري شريف.
بدوره نقيب أطباء ريف دمشق الدكتور محمد مرجان قال: إنه لمن دواعي السعادة أن نكرم أحد الزملاء الأطباء في غمرة الانتصارات العظيمة التي يحققها جيشنا العربي الباسل على امتداد جغرافيا وطننا الحبيب، وهذا التكريم واجب لما قام به الدكتور إحسان في مجال العمل الإغاثي والإنساني والطبي خلال مسيرته المهنية التي امتدت أكثر من نصف قرن.
من جهته، أوضح الشيخ عبد اللطيف كرباج: نقف وقفة إجلال وإكبار واحترام لأطبائنا من أصحاب الضمائر الحية لأنهم رسل الرحمة والكرامة والعطف والحنان على المجتمع، مضيفاً أن الدكتور إحسان واحد منهم، وهو أحد هؤلاء القادة العظام الذين يحاربون الأمراض كما يحارب الجندي في ساحات الوغى.
وقال أمير الشعراء باسم عمرو: تصغر الكلمات أمام عظمة الرجال وتضمحل المعاني أمام سمو عطائهم وأمام قامة من قامات الوطن.

print