هل من رقم محدد يُفترض أن تصل إليه أعداد الضحايا الذين يسقطون من جراء غارات «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن، لتصنَّف هذه الغارات بأنها عمليات إبادة، وبأن هذا «التحالف» وقيادته الأمريكية يرتكبون جرائم حرب في سورية.
لا يكاد يمر أسبوع واحد من دون أن يسقط عشرات الضحايا في هذه الغارات التي يزعم «التحالف» أنها «تستهدف» تنظيم «داعش» الإرهابي، لنكتشف بعد ساعات أن لا قتلى لـ«داعش» وإنما فقط مواطنون أبرياء تقطَّعت بهم السُبل بين «داعش» وغارات «التحالف الدولي» فلم يجدوا مفراً وكان الموت في انتظارهم.
كم من الرسائل يُفترض أن توجّه الحكومة السورية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ليأخذا في الحسبان ما يتعرض له أبناء سورية من مجازر مروعة على يد «التحالف» الأمريكي أو على يد فصائله الإرهابية المسلحة، وأيضاً ما تتعرض له البنية التحتية من تدمير ممنهج متعمد بهدف استنزاف سورية ومقدراتها الاقتصادية ومتطلبات عيش المواطن السوري.
كم من الدعوات يُفترض أن تطلق سورية إلى المجتمع الدولي ليمتلك جرأة الاعتراف بأنه اقترف خطأً فادحاً قاتلاً بحق أبناء سورية عندما سمح بقيام هذا «التحالف» وغض الطرف عن لا شرعيته، وعندما يواصل السماح باستمرار هذا «التحالف»، ولا فرق هنا بين دول تشارك «شكلياً» في هذا «التحالف»، ودول نأت بنفسها، وأخرى تغض البصر والبصيرة.. جميعهم يتحمل المسؤولية، وليس فقط عن المجازر الماضية بل عن مجازر جديدة سترتكبها الولايات المتحدة و«تحالفها» المزعوم إذا لم تبادر هذه الدول إلى دعم مطالب سورية بحل هذا «التحالف» العدواني، وهو مطلب حق يتم بكامل الشرعية المستمدة من شرعية الدولة السورية المعترف بها في كل المنظمات والمحافل الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
منذ أشهر تطالب سورية بحل «التحالف الدولي» وتوثق هذه المطالبة برسائل مكتوبة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. وعلى مبدأ «أسمعت إن ناديت حيّاً» لا تبدي الأمم المتحدة ولا مجلسها الأمني أي تجاوب أو رد فعل، وتكتفي فقط بالقلق والتعبير عن «صدمتها» من الأعداد الكبيرة للضحايا (وأغلبهم نساء وأطفال) الذين يسقطون في «مختلف المناطق السورية» على حدِّ تعبيرها، من دون أن تمتلك هذه الأمم المتحدة جرأة تسمية من يقف وراء ذلك، لا بل إنها تتواطأ مع القاتل الحقيقي وتحاول التعمية عليه عندما تقول «في مختلف الأراضي السورية» في محاولة منها لإلصاق جرائم «التحالف» بأطراف أخرى بما في ذلك«اتهام» الدولة السورية نفسها.. وعليه ماذا نرجو ممن هي على رأس المنظمات الإنسانية إذا كان حالها كذلك؟!.
الكثير من الجرائم والمجازر ارتكبها «التحالف الدولي» منذ بدء عملياته في سورية 23 أيلول 2014 (وفي العراق 8 آب 2014)، لكن الولايات المتحدة استطاعت التعمية عليها لأن جلَّ العالم كان مصعوقاً مأخوذاً بما يبثه «داعش» من مجازر يرتكبها في المناطق التي يسيطر عليها، وهي جرائم لم يسجل التاريخ نظيراً لها في الوحشية والترويع… استمر هذا الحال عامين قبل أن يبدأ بالتغير وتحديداً مع بداية العام الحالي حيث بدأت تتوضح بصورة أكبر ممارسات الولايات المتحدة وأهدافها الحقيقية في سورية وأطماعها من وراء تشكيل ما سمته «التحالف الدولي لمحاربة داعش» عندما عمدت إلى تغيير «استراتيجيتها الحربية» في سورية حسب تعبير صحيفة «الغارديان»(11/8 / 2017)، وهذه الاستراتيجية- حسب الغارديان- كلفت أرواح مئات المدنيين، وفتحت باباً واسعاً للنقاش والتساؤلات عن مدى التزام واشنطن بحماية المدنيين، ومدى صحة أنها هي من يستخدم المدنيين كدروع بشرية تماماً كما الإرهابيين، وذلك للضغط على سورية وحلفائها في المحافل الدولية عبر إلصاق «تهم استهداف المدنيين» بها وبهم، والدليل أن الأمم المتحدة تصرُّ في إداناتها على أن تشمل الجميع، وثانياً للضغط على الجيش العربي السوري لوقف انتصاراته ومحاولة «منعه» من تحقيق النصر النهائي الذي بات قاب قوسين أو أدنى.
تدرك واشنطن أن الأوان فات، وأن «شماعتها» «داعش» سقطت ولا بد من سرعة التحرك لإيجاد بدائل جديدة «لاستمرار بقائها» عسكرياً على الأرض السورية، ويبدو أن سرعة التحرك هذه فرضت عليها أن تستخدم سلاح المجازر لترهب السوريين، فإما «الانكفاء عن الانتصارات» التي تتحقق وإما استمرار المجازر، هنا تخطئ واشنطن إذ تعتقد أنها ستنجو، فكما توثق الدولة السورية هذه المجازر هناك الكثير من المنظمات الإنسانية تفعل المثل وتطالب بوضع حدٍّ لأمريكا و«تحالفها»، هذه المنظمات وغيرها اتهمت الولايات المتحدة وسمتها بالاسم كمسؤول عن سقوط مئات المدنيين السوريين (والعراقيين) خصوصاً في الرقة ودير الزور.
لكن كل ذلك لا يبدو كافياً والولايات المتحدة ماضية في «تحالفها» وفي مجازرها، ولا يبدو أننا سنشهد في المدى المنظور إجراءات من نوع ما- دولية أو أممية- لحلِّ هذا «التحالف» مادامت واشنطن قد فشلت في تحقيق أطماعها وتمرير مخططاتها.
والسؤال: على ماذا تعتمد الولايات المتحدة في الإبقاء على «تحالفها» وهو بالأساس شُكّل خارج إطار الشرعية الدولية ويقوم بعملياته في سورية خارج إطار أي شرعية؟.. والسؤال أيضاً: لماذا قامت الولايات المتحدة بتشكيل هذا التحالف أو بالأحرى اضطرت لتشكيله؟
في الإجابة عن السؤال الثاني، وحسب اعتقادنا ومن مجمل التحليلات والتسريبات، يمكن القول:
أولاً: انتظرت الولايات المتحدة أربع سنوات كاملة قبل أن تعمد إلى تشكيل هذا «التحالف» وبعدما تيقنت أن «داعش» وكل ما ارتكبه من قتل وتدمير لم يستطع «إخضاع» الشعب السوري (ولا العراقي) علماً أنه كان موجوداً معه في الوقت ذاته المئات من الفصائل الإرهابية الأخرى وكلها تشابهت معه في الممارسة والسلوك أي في المجازر والترويع.. أربع سنوات من الانتظار أصابت واشنطن بالخيبة وأوصلتها إلى نتيجة واحدة مؤكدة مفادها أن لا فائدة من الانتظار أكثر، وأنه لا بد من النزول مباشرة إلى الميدان… ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع تشريع هذا النزول في الأمم المتحدة لكون روسيا والصين لها بالمرصاد، عملت على الالتفاف على الشرعية الأممية عبر تشكيل «تجمع دولي» تظن أنه «يُكسبها» تلك الشرعية، وهي تعلم مسبقاً أن الأمم المتحدة ستغض الطرف مادام ذلك التجمع الدولي سيرفع الحرج عنها، فكيف إذا كان يضم دولاً عربية؟!
ثانياً: لم يمض الكثير من الوقت حتى انفردت الولايات المتحدة بالعمل الميداني مُقصية دول «التحالف» بما فيها العربية؛ جميعنا يتذكر ذلك الدخول الاستعراضي لدول عربية وأوروبية بداية عمل «التحالف» حيث اقتصر على غارات جوية قيل عنها الكثير في الإعلام ولعدة أيام، ثم ما لبث أن اختفى كل شيء ولم يبق سوى الغارات الأمريكية وأخبارها السيئة التي تملأ وسائل الإعلام.
ثالثاً: استطاعت واشنطن فرض هذا الحال كأمر واقع من دون مناقشة أو مراجعة من أحد باستثناء الحكومة السورية وحلفائها الذين واصلوا ويواصلون كشف الوجه الحقيقي لهذا «التحالف»- الوجه العدواني الأمريكي- والمطالبة بحلِّه ودعم ذلك بالوثائق والدلائل.. اليوم وبعد ثلاث سنوات (تزيد بضعة أيام) على تشكيل هذا «التحالف» يبدو أن الأمور تعود بالولايات المتحدة إلى نقطة الصفر، فكل ذلك الزخم الإعلامي والميداني الذي روجته تبخَّر، وكل الأكاذيب والأضاليل التي استطاعت تسويقها سقطت، وبدا للولايات المتحدة أنها انتظرت وعملت لثلاث سنوات أخرى من دون أن تحقق شيئاً، إذ إن الدولة السورية تواصل انتصاراتها سياسياً وميدانياً، وحلفاؤها لم يتراجعوا عن دعمها قيد أنملة بل هم، وبعد سنوات من الدعم والقتال كتفاً بكتف، باتوا في وحدة حال معها ومع شعبها.
رابعاً: مرة أخرى اضطرت واشنطن إلى تغيير «استراتيجيتها الحربية»، ولكن أي استراتيجية تفيد في ظل الانتصارات المتواصلة للجيش العربي السوري؟ هذا السؤال لم تستطع الإجابة عنه، فاعتمدت استراتيجية «كيفما اتفق» إذا جاز التعبير عبر تسليم «الجمل بما حمل» للبنتاغون، وهذا الـ«بنتاغون» لم يجد استراتيجية غير استراتيجية تكثيف القتل والتدمير «لعلَّها تفيد».
بالعودة إلى السؤال الأول وكيف تستطيع واشنطن الإبقاء على «تحالفها» رغم لا شرعيته ورغم المجازر التي يرتكبها وعلى مرأى من العالم؟
أولاً: وعلى مبدأ «الكثرة تغلب الشجاعة» اعتمدت واشنطن على العدد ، بمعنى أنها أكثرت من تجميع الدول حولها (سواء برغبة هذه الدول أو بالضغط عليها ترهيباً أو ترغيباً ومنها دول وازنة على الساحة الدولية) هذه الكثرة هي ما تتسلح به واشنطن أمام الشرعية الدولية (الأممية) من جهة و«لاستضعاف» الدول التي تتركز فيها الأطماع الأمريكية كما هي الحال في منطقتنا، وأيضاً لمواجهة الدول التي تقف مع مبدأ احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.
ثانياً: تتسلح الولايات المتحدة بقوتها الاقتصادية (التي تحاول أن تحكم بها العالم، وهناك ما يسمى الشركات العابرة للقارات، والمنظمات المالية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي… الخ) هذه القوة الاقتصادية استتبعتها قوة عسكرية فرضت من خلالها هيمنة سياسية (استعمارية) ومكّنتها من شراء جيش من الأتباع (دولاً ومنظمات وشركات وأفراداً … الخ) وتالياً فرضت هذه الهيمنة «كحق من حقوقها» وغلفتها بـ «قضايا إنسانية وحقوقية» وبزعم أنها «الحامية للإنسان» في كل مكان، وفرضت أن يكون هذا الحق حقاً حصرياً لها وأي دولة تريد ممارسته أو ترفض الهيمنة الأمريكية تُتهم وتُحارب وتُدمر ويُقتَّل شبعها.
ثالثاً: حتى الآن، ورغم مضي أكثر من قرن على طرح قضايا حقوق الإنسان وإقرار شرائع وقوانين لحمايته، خصوصاً أوقات الحروب، لا تزال هذه القضية محل خلاف واختلاف كبيرين، ولا تزال منظمات حقوق الإنسان عاجزة عن ممارسة مهامها وعن إعلاء الصوت بمواجهة الهيمنة الأمريكية.. بعد كل هذا الزمن اكتشفنا أن كل القضية خاضعة لما تريده وتفرضه القوى العالمية الكبرى، وأن حقوق الإنسان «كذبة» تروجها بعض هذه القوى بما يتناسب مع مصالحها وأطماعها وبما يخدم استمرار سيطرتها ونفوذها، بل كلما كَثُرَت المنظمات الإنسانية تعقدت أكثر مسألة تعريف حقوق الإنسان، ورغم كل التطور الحضاري الذي شهده العالم لا يزال هناك عبودية وعبيد وظلم مروع، رغم أنه يُفترض أن يكون العكس، كل ذلك تستفيد منه الولايات المتحدة بلعبهاعلى القوانين وتحايلها على شرعة حقوق الإنسان ومحاولة فرض ما تريده على الجميع،إن لم يكن بالسياسة فبالحروب والقتل والتدمير.
مع ذلك، ورغم قتامة المشهد، هناك دائماً من يواصل نضاله ضد الهيمنة الأمريكية بوجهيها المباشر وغير المباشر، إننا نشهد ما يشبه «هبّة» عالمية لإنهاء تفرد الولايات المتحدة بالقرار العالمي (قرار الحرب والسلم) هناك من يحشد ويتكتل ويرسم استراتيجية مستقبلية لقرار عالمي متعدد الأوجه والأطراف، ولعالم أكثر أمناً واستقراراً، بعيداً عن الحروب، وبما يُعلي حقوق الإنسان كقيمة عليا، وقد تكون سورية وما تعرضت له خلال السنوات السبع الماضية نقطة القوة الأولى لهذه الاستراتيجية.

print