لم يجد «كُليب» زعيم ربيعة، عندما طعنه ابن عمه جساس غدراً من بني مُرّه لأجل ضرع ناقة أصابها سهمه بعد تحذيره لعمة الأخير– البسوس- من اقتراب ناقتها لمراعي القبيلة التي كان يؤسسها كمملكة، لم يجد سوى صخرة ضخمة كتب عليها، وهو يُنازع وصيته الأخيرة؛ عشرة أبيات من الشعر مدادها من جرح دمه النازف يوصي بها أخاه الزير سالم بألا يُصالح القتلة ويحثه على الثأر منهم.
من صخرة كُليب التي كانت حاملاً لوصيته، وحتى الكتابة بالأصابع العشر على أحدث «لابتوب» أو جهاز «موبايل» ستمر تجربة الكتابة بعشرات الحوامل للنصوص من الألواح الطينية، وورق البردي، وجلود الحيوانات، حتى اختراع الطباعة والورق، إلى أحدثها الحوامل الإلكترونية.
ورغم تغير الحامل في كل انعطافة تاريخية من التطور غير أن النص، سواء كان نصاً إبداعياً أو سجلات رسمية، لم يتغير مع تغيّر حامل الكتابة سوى بمسألة السرعة في إنجاز النص، مع ذلك ومنذ بداية الألفية الثالثة التي أنجزت ثورة الاتصالات التكنولوجية وفرضت ميديا جديدة – مواقع التواصل الاجتماعي- استطاعت فك الاحتكار الذي كانت تفرضه وسائل الإعلام التقليدية لمصلحة قلة حظيت بنشر ما تكتب، وغيبت الأغلبية، حتى جاءت الميديا الجديدة، وفرضت نوعاً من «ديمقراطية» في النشر، وهو الأمر الذي أفقد توازن المحتكرين السابقين أو المحظوظين السابقين، الذين انكشفوا بكل ضحالتهم وعريهم، وهم الذين تمسكوا بمصطلح «الافتراضي» ليشنوا غزواتهم البائسة ضد مواقع التواصل الاجتماعي، ولاسيما هجومهم الشرس على صفحات ومواقع الإبداع من شعر وقصة وتشكيل وغير ذلك مما وفرته تلك الصفحات للمبدعين من إظهار نتاجهم الإبداعي ومن ثم التجديد في أشكال إبداعية عديدة وظهور إبداعات جديدة، فما كان من المثقفين السلفيين السابقين، وفي محاولة لتقزيم النتاج الإبداعي على الحوامل الجديدة، سوى نعته بـ«الافتراضي» وكأن كل ما يصدر من ورقي ليست قراءته افتراضية.
الجميع يدرك اليوم أسباب هذه الحملات الشرسة على النتاج الإبداعي الإلكتروني، الذي يكمن في التفاعل المُباشر بين المتلقي والنص، الذي يأخذ في بعض الحالات ما يُشبه الاستفتاء على جودة النص، وهذا ما فشل فيه هؤلاء المحتكرون للإعلام التقليدي في «نسخهم الورقية»، وفشلوا فيه أيضاً عندما جربوا إلكترونياً، ومن ثم فإن الهجوم الشرس لايزالُ مستمراً..

print