مع التطور المطرد في تكنولوجيات الذكاء الصنعي، يزداد الجدل بشأن مستقبل العلاقة بين الروبوت والإنسان والتأثير المتوقع لانتشار الأول على ترعرع البطالة والحروب المدمرة.
ينقسم الخبراء في هذا الجدل إلى صفين، بعضهم يرى في الروبوت مستقبل رفاهية البشر، بينما يرى آخرون أنه نقمة تقترب من الحلول على حياتهم.
في الواقع، فإن الكثير من الضباب يلف مستقبل هذه العلاقة بين الإنسان والآلة، ولعل ما ذهب إليه البروفيسور ستيفن هوكينغ العام الماضي، محذراً من أن الذكاء الصناعي سيثبت أنه أفضل شيء أو أسوأ ما قد يحصل للبشرية، يجسد بأكثر ما يكون صعوبة التنبؤ بذلك المستقبل، وأشار بشكل محدد إلى أن العديد من الدول تسعى إلى تطوير تكنولوجيا أسلحة ذاتية التحكم لديها القدرة على تحديد مسارات عملها بشكل مستقل من دون الحاجة إلى التحكم البشري.
وتشير تقديرات شركة (PwC) إلى أن 30% من الوظائف في بريطانيا قد تكون مهددة على المدى المنظور بسبب الذكاء الصناعي، ويمكن أن يصل هذا التهديد في بعض القطاعات إلى نسبة نصف الوظائف.
كما توقعت دراسة أجرتها نقابة المحامين الدولية بأن تجبر الروبوتات الحكومات على إصدار تشريعات بشأن حصص العاملين في المجال الإنساني.
إلا أن للمطورين رأياً مختلفاً، فمثلاً، لا توجد في العالم شركة تجسد القلق والآمال بشأن الأتمتة كما تفعل شركة أمازون للتجارة الإلكترونية التي يلقي الكثير من الخبراء باللوم عليها فيما يخص تدميرها لوظائف التجزئة التقليدية من خلال إغراء الناس للتسوق عبر الإنترنت.
وفي الوقت نفسه، فقد عملت الشركة على تحويل نمو أعمالها نحو توظيف المزيد من الآلات، مع حاجتها إلى عمال للمستودع لتلبية طلبات العملاء.
وتعدّ قوة العمل العالمية لدى أمازون أكبر بثلاث مرات من مايكروسوفت و18 مرة أكبر من فيس بوك، وقالت الشركة الأسبوع الماضي: إنها ستفتتح مقراً جديداً في أمريكا الشمالية مع ما يصل إلى 50 ألف وظيفة جديدة، لكن المعادلة أعقد من ذلك، ذلك أن أمازون لا تزال في طليعة الشركات المتجهة نحو إحلال الأتمتة بدلاً من الموظفين.
وبدأت الشركة في 2014 بتوفير الروبوتات لمستودعاتها باستعمال آلات طورت بشكل أساسي من قبل شركة «كيفا سيستمز» التي استحوذت أمازون عليها قبل عامين مقابل 775 مليون دولار، وهي تمتلك حالياً أكثر من 100 ألف روبوت ضمن العمل في جميع أنحاء العالم، ولديها خطط لإضافة أكثر من ذلك العدد بكثير.
ويقول مارتن فورد مؤلف كتاب «صعود الروبوتات»: من المؤكد أن أمازون لن تكون قادرة على العمل ضمن تلك التكاليف التي تقدمها للعملاء دون هذه الأتمتة، وأن المستهلكين قد لا يحصلون على شحناتهم قبل مرور يومين من دون الاستعانة بتلك الروبوتات.
وتتعاون الآلات والبشر على العمل في مخازن أمازون في فلورنسا ونيو جيرسي وكينت، حيث تتحرك المئات منها بشكل مستقل متناغم ومن دون اصطدام ضمن منطقة العمل الكبيرة، وعلى حافة تلك المنطقة مجموعة من البشريين يتابعونها ويقومون بتنفيذ أوامر البيع المدخلة عن طريق شاشات الحاسب.
ويقول الرئيس التنفيذي لعمليات أمازون ديف كلارك: أردنا أن تقوم الآلات بأداء المهام الأكثر رتابة، الأمر الذي يسمح للعنصر البشري بالقيام بوظائف تحتاج مجهوداً عقلياً.
ويظهر مستودع فلورنسا أفضل مثال على الوظائف التي يمكن للروبوتات القيام بها بشكل أفضل من العنصر البشري، وبحسب أمازون، لم يتم تسريح أي شخص عند تثبيت تلك الروبوتات بل أوجد للعمال مهام جديدة تتناسب مع إمكاناتهم.
إلا أن السؤال الذي يدور في الأذهان هو: ما الذي سيحدث عندما تصل الأجيال الجديدة من الروبوتات؟.
يعتقد الكثيرون أن صورة التوظيف التي ترسمها أمازون في مستودعاتها سوف تتغير مع الوقت، وأن تكنولوجيا الروبوتات ستحل محل العناصر البشرية وتجبرهم على ترك العمل وستتباطأ سرعة خلق فرص عمل لأولئك الأشخاص مع زيادة تطور الروبوتات.
يرد خبراء أمازون بالقول: التاريخ أظهر أن العمل الآلي يزيد الإنتاجية والطلب من المستهلكين، الأمر الذي يخلق في نهاية المطاف المزيد من فرص العمل، بحيث إنه يمكن لعمال المستودعات مواصلة العمل في بيئات غنية بالتكنولوجيا، وإن مقولة «الأتمتة تدمر نمو الوظائف» لا تتعدى كونها أسطورة.
للأمم المتحدة رأي آخر بشأن مستقبل العلاقة بين الروبوتات والبشر، لا بل ذهبت قبيل افتتاح مقر (لاهاي) لمراقبة تطورات الذكاء الصناعي، إلى التحذير من أن الروبوتات قد تزعزع استقرار العالم من خلال الحرب والبطالة. ويهدف المركز الجديد التابع للمنظمة الدولة إلى تحديد وتخمين التهديدات المحتملة فيما يخص الذكاء الصناعي والروبوتات من حيث خطر البطالة الجماعية، كما سيسعى أيضاً إلى وضع أفكار حول كيفية استغلال التقدم في هذا الميدان للمساعدة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة في التنمية العالمية.
وسمح التقدم السريع في مجال الروبوتات إلى جانب صعود قوة الحوسبة خلال النصف الأخير من القرن العشرين بزيادة المهام المسندة إلى الروبوتات والأنظمة القائمة على الذكاء الصناعي بشكل كبير، جنباً إلى جنب مع زيادة الاستقلالية التي تعمل بها هذه التكنولوجيات، وعلى الرغم من أن منظمة الأمم الدولية ترى ذلك مفيداً للتنمية العالمية والتغيير المجتمعي من خلال الإسهام في تحقيق أهدافها للتنمية المستدامة، إلا أنها ترى فيه تساؤلات وتحديات قانونية وأخلاقية واجتماعية قد يكون بعضها خطيراً على رفاهية الإنسان وسلامته وأمانه.
وقالت سيندي جي سميث مديرة معهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة: إن «الهدف من مركز مراقبة الذكاء الصنعي هو تعزيز فهم الازدواجية الحاصلة بين مخاطر وفوائد الذكاء الصناعي والروبوتات من خلال تحسين التنسيق وجمع المعارف ونشرها والأنشطة التوعوية، حيث يفتتح المركز في مدينة لاهاي في هولندا»، ليكون منزلة مورد دولي بشأن المسائل المتعلقة بالذكاء الصناعي والروبوتات.
وتتمثل الأهداف الرئيسة لمبادرة المركز الجديد بأن يتمتع جميع أصحاب المصلحة، بمن فيهم صانعو السياسات والمسؤولون الحكوميون، بمعرفة وفهم أفضل لمخاطر هذه التكنولوجيات وفوائدها، وأن يشرعوا في مناقشة هذه المخاطر والحلول الممكنة بطريقة مناسبة ومتوازنة.

print