«تشرين أقبل زاح الطغيان.. رايتنا خفقت فوق الجولان.. تسلم يا قائد للشعب الصامد»..عبارات لطالما كنا نرددها ونحن صغار في المدرسة الابتدائية، واليوم نستذكرها بعد أربعة عقود ونيف من الزمن ونحن نحتفل بذكرى حرب تشرين التحريرية المجيدة التي سطر فيها جيشنا العربي الباسل أروع الملاحم البطولية في تاريخ الحرب الحديثة، محطماً ما كان يدعى بالجيش الذي لا يقهر(الجيش الإسرائيلي).
لقد رسمت حرب تشرين التحريرية ملاحم جديدة في ساحة النضال ضد العدو الصهيوني، ولولا سلوك السادات آنذاك بعد الأيام الأولى من الحرب لاستعادة الأراضي العربية المغتصبة والمحتلة لتغير وجه المنطقة، لكنّ أفعال السادات التي أراد من خلالها كما كان يقول: «أردناها حرب تحريك» من أجل مفاوضاته في «كامب ديفيد» وتوقيع اتفاقيات الإذعان مع العدو الصهيوني وسط سخط عربي كبير، هو ما جعل الجبهة السورية تتحمل أعباء المواجهة، وتخوض حرب الاستنزاف وحدها ببسالة منقطعة النظير لدرجة أن هذه الحرب أضحت تدرس في الأكاديميات العسكرية الكبرى.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الحرب هي الأولى التي يبادر بها العرب لمواجهة العدو الصهيوني ويحققون الانتصار كانت النسوة والأطفال والشيوخ يصعدون إلى أسطحة المنازل غير آبهين بأي شيء ليروا تساقط طائرات «الفانتوم» و«الميراج» على يد أبطالنا في الدفاع الجوي من طيارين وصواريخ فاجأت العدو الصهيوني، فسقطت له في يوم واحد 93 طائرة وقدم سلاح الدبابات والمشاة ورجال البحرية وجميع صنوف الأسلحة ملاحم تاريخية سيذكرها القاصي والداني، وهو ما ألهم الشعراء والأدباء لتجسيد ذلك في كل فنون الأدب تعبيراً وتقديراً لمكانة الجندي العربي السوري في معارك العز والفخار كما قال عنها القائد المؤسس حافظ الأسد.
لقد ارتبط اسم القائد المؤسس الخالد بالتشرينين تشرين التصحيح وتشرين التحرير، ومع «تشارين» كان الانتصار على المستويات جميعها، واليوم يسترجع أبطالنا الأشاوس والقوات الرديفة والحليفة أيام الفخار والاعتزاز لتحقيق نصر مؤزر يعيد للوطن الأمن والأمان، فبوركت أمة لا تعرف الذل ولا ترضى الهزيمة، وتبذل من أجل كرامتها أغلى ما يملكه المرء، وقادتها يستشهدون وهم في مقدمة الجنود بحماستهم وإقدامهم لتطهير تراب الوطن الغالي من رجس المتصهينين الذين كانوا أداة لتخريب الوطن بما فعلوه من قتل وتدمير، لكنهم خسئوا أن ينالوا من أمة لم تعرف الضيم عبر تاريخها الحافل وكانت على الدوام مقبرة للغزاة وإن تعددت أشكالهم وألوانهم.
لا تُنسى
قبل الحديث عن حرب تشرين أحب بطل الجمهورية اللواء يوسف قاسم حسين خلال لقاء خاص لـ«تشرين»، التوجه بهذه الكلمات المعبرة:
«قالوا الفانتوم كيف علاجها
وأي قوة بتقدر تهدي هياجها
قلنالهم صواريخ السام بتتكفل بتدمير فواجها
قالوا بعثوا الميراج يتحدى الحمى
قلنا لهم الميغ بتدير الأبية سياجها
قالوا انتهيتو ملح عزتكم فسد
عاش الفنى على وجودها
تحرك طموح الراس يتحدى الجسد
حرك الدني من سهولها لجرودها
والمنطقة هلي بيكون قائدها أسد
بيعقل جنون الذيب قبل حدودها»
في هذا اليوم الخالد أوجِّه التحية للقائد المؤسس الخالد حافظ الأسد وللشهداء الأبرار في حرب تشرين التحريرية وفي الحرب الكونية التي يخوضها شعبنا وجيشنا الباسل ضد الإرهاب والتكفيريين، كما أوجِّه التحية للسيد الرئيس بشار الأسد ونعاهده على الوفاء والإخلاص لحماية الوطن.
أنا من مواليد مجدل شمس دخلت الكلية الحربية عام 1963 باختصاص م/ط فشاركت كقائد سرية بحرب 1967 ثم في حرب الأيام الثلاثة عام 1970كقائد سرية قبل الانتقال لقطعات الصواريخ والذهاب إلى الاتحاد السوفييتي آنذاك لاتباع دورة على الصواريخ مدة ستة أشهر، عدت بعدها لتسلم قيادة كتيبة مع سلاح جديد هو «الفولكا» وحينها لم يكن موجوداً في سورية وفي مصر التي أوفدت (100) بين ضابط وفني للمشاركة في دورة على هذا السلاح الجديد، وأذكر أنني كنت الأول على الضباط السوريين والمصريين في نهاية الدورة التي عدت بمنزلة دورة قائد كتيبة، بعدها توجهت لقيادة الكتيبة في الغوطة الشرقية في منطقة العتيبة، قبل الانتقال لمنطقة حوران، وكنا نتدرب على السلاح بمعدل 13-14 ساعة يومياً إلى حين جاء موعد عيد الجيش في الأول من آب، فقدمت لنا الإدارة السياسية الهدايا فقمت بتوزيعها على صف الضباط والأفراد، وقلت لضباط الكتيبة الذين تجاوز عددهم العشرين: «بكرا هداياكم ستكون من قطع «الفانتوم» و«الميراج» إلي راح ندمرها».
اليوم الأول لملحمة تشرين
ويضيف اللواء يوسف عن اليوم الأول لحرب تشرين: مع انطلاقة الحرب قام الطيران العربي السوري القاذف بقصف مواقع العدو الإسرائيلي عند الساعة 1،40 ظهراً لتدمير مطاراته وأهدافه الحيوية، وكان طيراننا المقاتل يحمي الأجواء، وأذكر أن الطيار كمال نصر سجل ملحمة استشهادية ستذكرها الأجيال على الدوام حين دفع بنفسه وطائرته بعد نفاد صواريخه ليفجر قاعدة «نيرون» ويدمرها مع أنه كان وحيداً لأهله.
وفي الساعة الثانية إلا عشر دقائق بدأ الرمي التمهيدي بالصواريخ والمدفعية على طول الجبهة، فحققت قواتنا البرية تقدماً واضحاً، ولم يظهر طيران العدو في اليوم الأول، وفي اليوم التالي عند السادسة إلا ثلثاً صباحاً كان لنا – في قاعدتنا للصواريخ- شرف إسقاط أول طائرتين إسرائيليتين من نوع «سكاي هوك» القادمتين من وادي اليرموك، وسقطتا فوق منطقة الشيخ سعد لترتفع معنويات العناصر كثيراً، بعدها قام العدو الصهيوني بالهجوم بـ(150) طائرة، أعلنا عن إسقاط 44 طائرة منها، بينما قرأت فيما بعد في مجلة ألمانية: «لو يعلم السوريون والعرب كم أسقطوا وأصابوا للإسرائيليين من طيران لكان عيداً قومياً عندهم»، حيث أشارت المجلة إلى سقوط 120 طائرة وعودة 30 فقط لـ «إسرائيل»، هذا ما دفع قائد المطارات الشمالية -كما علمنا فيما بعد- للمطالبة بقيادة رف من الطيران لمهاجمة مواقعنا، وبالفعل قامت 18 طائرة بمهاجمتنا فأسقطنا 13 منها، أما الجنرال الإسرائيلي فتجاوز الحدود السورية وفرّ من معه في الرف، واستمر في هجومه نحو قاعدتنا، فقمت برميه بأحد الصواريخ ليسقط قرب قرية أبطع، وهناك شاهدته إحدى السيدات التي كانت تخبز على التنور وهو يسقط بالمظلة، فقامت بضربه بمحراك التنور على قدمه وكسرها، وحين أحضرنا الطيار سألناها: «لماذا فعلت ذلك»، فقالت:«خشية أن يهرب»، وكان قد وضع رتبة نقيب كتمويه عن حقيقته، فتم إسعافه إلى مشفى المزة.
يوم كارثي للطيران الإسرائيلي
بفخر واعتزاز يشير بطل الجمهورية إلى يوم الحادي عشر من تشرين الأول الذي كان كارثياً للطيران الإسرائيلي بفضل نجاحات الدفاعات الجوية بإسقاط 93 طائرة، وقاعدتنا وحدها نجحت بإسقاط 13طائرة من بين الـ (14) التي هاجمتنا.
في اليوم التالي تعرضنا للهجوم من ست طائرات فأسقطنا خمساً منها ليحصل بعد ذلك ارتجاج في المحطة نجم عنه توقف محطة التوجيه عن العمل، والطائرة السادسة تقترب لمسافة 15 كم فأراها على محطة الاستطلاع، لكننا لا نستطيع استخدام محطة التوجيه، فقمت بإخلاء المحطة من العناصر، والطلب منهم الانتشار على بعد 500 متر حولها وتوجيه أسلحتهم المختلفة نحو الأعلى بوقت واحد في حال اقترابها من المحطة، وأبقيت على ضابط واحد في باب الكبين ليوجهني باتجاه الهدف، وتكلمت مع قائدي وكان اللواء علي الصالح فقال لي: وزع العناصر حول المحطة فقلت له: وزعت العناصر، وأضاف: يوسف أخل المحطة، فقلت له: «سيدي أنا مو أغلى من المحطة بدي حاول انقذها» فرد علي: يوسف أمر عسكري: «اخل المحطة» لأكرر مجدداً: «ماني أغلى منها بدي حاول أنقذها».
وفي غرفة العمليات الرئيسة كان القائد حافظ الأسد، يتابع ويسمع الكلام، وبدأ الضابط الذي وضعته في باب الكبين يوجهني توجيهاً تقريبياً فيقول لي: سيدي حرك الصاروخ فوق – تحت – يمين- شمال إلى حين أصبح باتجاه الهدف وأصبحت المسافة 12 كم وعند المسافة 10 كم أطلقت الصاروخ باتجاه الطائرة الإسرائيلية الذي قام طيارها على الفور بالقفز بالمظلة حين شاهد الصاروخ ولسان اللهب يتجه نحوه، وعندها أخبرت قائدي وقلت له: سيدي الهدف دمر، فسمعت تصفيق الجميع بمن فيهم القائد المؤسس حافظ الأسد الذي قال للجميع: «امنحوه وسام بطل الجمهورية على الفور».
خلال أيام الحرب استخدم العدو ضد محطتنا العديد من صواريخ شرايك المضادة للرادار وستاندر آرم واستطعنا التغلب عليها بخبرتنا وحماستنا، وأذكر أن أحدها وقع بالقرب من الكتيبة وعلى بعد 800 متر منها، أيضاً في 17 تشرين الأول قام طيران الاستطلاع الإسرائيلي على ارتفاع عال فتصدينا لاثنتين وأسقطناهما، وأثناء الحديث ينقلنا اللواء يوسف إلى الأجواء الصعبة التي أدت للضغط على الجبهة السورية بعد تآمر السادات على سورية وإيقافه الطيران المصري، فتعرضت الجبهة السورية للضغط ووصلت الطلعات الجوية الإسرائيلية إلى ما يقارب 870 طلعة في اليوم.
حماس العناصر وتفاعلهم
شكل إسقاط الطائرات الإسرائيلية حسب بطل الجمهورية حافزاً معنوياً للعناصر فبدؤوا يرسمون على الصواريخ طائرة ويكتبون على بعضها «خذني بحنانك خذني وعن وجودا أبعدني» وعلى صاروخ آخر كتبوا «لا تلحقني مخطوبة»، وهنا تبرز إرادة المقاتل الشجاع حين تمكن الرقيب حرب حرب قائد مجموعة الكوبرا ( وهي صواريخ تحمل على الكتف) من إسقاط طائرة فطلبت من القيادة ترفيعه إلى رتبة رقيب أول، وأيضاً الملازم الذي وقف معي في باب الكبين رفع لرتبة نقيب.
تقليد وسام بطل الجمهورية
يتم عادة تقليد الأوسمة، حسب ترتيب الرتب العسكرية، لكنني كنت أول من تقلد الأوسمة بين رفاقي أبطال الجمهورية، وكانت لحظة اعتزاز وفخر أن يعلق القائد الخالد حافظ الأسد وسام بطل الجمهورية على صدري في العاشر من نيسان 1974وفي هذا اليوم اسقطت صباحاً طائرتي استطلاع الأولى سقطت عند قرية الثعلة في محافظة السويداء والثانية في أم قيس في الاردن.
امرأة عظيمة
وراء أولئك الجنود الميامين وإلى جانبهم، كانت المرأة السورية ولا تزال حتى يومنا هذا الشريك الفاعل والأساس، فهي الملهمة والمعطاء الصامدة التي تقف في خندق واحد مع الأب والأخ والزوج والابن للذود عن الوطن والمساهمة في نهضته، وقد سجل التاريخ صفحات مشرقة عن مواقفها البطولية التي قدمت للعالم درساً في المواطنة والانتماء وحب الوطن.. ولعل وقفتها وصمودها الذي تجلى في حرب تشرين التحريرية عام 1973، كما يتجلى اليوم في هذه الظروف الراهنة خير دليل وشاهد ويحقق مقولة: «إلى جانب كل رجل عظيم.. امرأة عظيمة».
وعن ذلك الدور تقول رغدا الأحمد الباحثة في قضايا المجتمع وهي شاهد عيان عاشت أيام الحرب بتفاصيلها المجتمعية: لقد سجلت المرأة في حرب تشرين حضوراً قوياً وكانت لها مواقف ولن يتسع المجال لذكر كل ما قامت به المرأة التي أرضعت أولادها حب الوطن والموت في سبيله، هذه الأم العظيمة هي التي كانت تدفع بأبنائها نحو الدفاع عن الوطن، هذه الأم هي التي تستقبل اليوم كما استقبلت أيام الحرب قوافل الشهداء بحبات الرز وأكاليل الغار والزغاريد وتعبر بكل صلابة وقوة عن افتخارها بشهادة أبنائها.
في حرب تشرين قامت المرأة بواجباتها بكل الأساليب المتاحة أمامها فساهمت في إعداد الطعام لعناصر الجيش العربي السوري، وحرصت على المشاركة في المناوبات والقيام بجولات على مواقع الخدمات، فالحرب أزالت مفهوم القلق والخوف وحل بدلاً منها الهدوء والتوازن وقد ساهمت في تغيير نظرة المجتمع للمرأة وهو ما زاد من ثقتها بنفسها وقواها على تحمل مسؤولياتها على أكمل وجه، كما هي اليوم تماماً.
ومما تختزنه ذاكرة الأحمد من الصور الحية تستذكر اللحمة الجماهيرية والانسجام في المجتمع السوري الذي ظهر واضحاً من خلال التنظيم، حيث كان هناك انخفاض للجريمة في آونة الحرب، أضف إلى ذلك الانضباط الشعبي للناس بالوقوف على الدور، والاحتضان الشعبي للجيش العربي السوري ولأسر ضباطه وعناصره، فالمجتمع وقف آنذاك يداً واحدة.
لتختم بالقول: في تشرين كان العدو واضحاً، أما اليوم فالعدو مختلف إنه مجموعة أشكال وجنسيات فهو عدو فكر بالدرجة الأولى، ومن هنا تأتي صعوبة الحرب التي تخوضها سورية التي تعد من أصعب الحروب ففيها تجتمع كل جرائم الكون والتآمر، ورغم ذلك فقد سجل الشعب والجيش والقيادة صموداً ليس عادياً، صموداً غير النظام العالمي، إذ أصبح العالم مجموعة أقطاب، فسورية كانت ولا تزال تدفع ضريبة مواقفها من دماء أبنائها ونحن في المستقبل أمامنا مهام صعبة ما لم نتقن التصدي لهذا الفكر الظلامي الإرهابي.
ملاحم تتناقلها الأجيال
حتى الساعة تبقى دروس حرب تشرين محفورة في ذاكرة الشعوب وكتب التاريخ وتتناقل ملاحمها الأجيال, وستظل ملامحها في عقول من شارك فيها وعايش مجرياتها وأحداثها، فمن أكثر المواقف التي علقت في بال غسان علي (أبو إبراهيم) عند اندلاع الحرب، وكان في الثامنة عشرة من عمره، كيف لم يحصل على سلاح فردي (بارودة) للمشاركة مع بقية شباب قريته بالدفاع عن بلده، رغم عدم توانيه لحظة واحدة -كمعظم الناس هناك- عن الانتساب إلى الجيش الشعبي الذي فُتحت أبوابه لمساندة الجيش في الحرب ضد «إسرائيل»، وكان السبب أن جميع طلاب الصف الثالث الثانوي يجب أن يتفرغوا للدراسة ويتركوا المهام الموكلة إلى شباب العديد من القرى في الساحل السوري لبقية أقرانهم، ممن هم أصغر منهم بسنة أو أكبر بسنوات، وهي مهام تتمحور حول حراسة مفارق الطرق والمرافق العامة والفعاليات الاقتصادية والترصد لأي إنزال معادٍ قد يحصل، مبيناً أن أغلبية الناس كانت على أتم الاستعداد النفسي للمشاركة في الحرب في حال تم الإعلان عن نفير عام.
تلك القرى ورغم الفقر الذي يعد سمة عامة فيها، سارعت إلى جمع التبرعات المالية لدعم الجهات الحكومية التي نجحت حتى اللحظة الأخيرة من الحرب في إبقاء معنويات الجماهير مرتفعة، والمحافظة على صورة أن الحرب لم ولن تشكل أزمة اقتصادية، فيقول غسان: كان من اللافت أكياس الطحين المكدسة بعدد كبير أمام أبواب الأفران التي تعطي راحة نفسية بأن كل شيء متوافر، وأذكر أن بعد كل اجتماع لأهالي القرية لسماع أخبار الحرب من الراديو، تدور نقاشات -وإن كانت بسيطة– تحمل روحاً معنوية عالية وتفاؤلاً شبه حتمي بالنصر.
ويضيف: شعور الفخر والاعتزاز كان يرافق كل عائلة لديها ابن أو قريب شارك في الحرب، والناس بشكل عام كانت تفخر بأولئك الجنود، وقد ظلت الأمهات تحكي عن أبنائهن وقصص بطولاتهم حتى وصلت التفاصيل لجميع أحفاد القرية، ومن عاد من الجنود بعد الحرب كان موضوع اهتمام بقية أهالي القرية، ونظرة الاحترام والتقدير والامتنان ظل يراها في عيون من حوله سنوات عديدة.
السيدة منى دواجي كانت وقتها طالبة جامعية، تقول: إن ما جرى خلال أيام الحرب لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة أبداً، كانت أيام عزة وكرامة، كان الناس سعداء وكأنهم في عرس، ولا أذكر أنني سمعت عن أحد كان خائفاً من الحرب التي بدأت والناس في أعمالهم ومدارسهم بشكل طبيعي في 6 تشرين، ولم نعلم بأنها بدأت حتى اليوم الثاني، ثم توقف الدوام مدة أيام فقط في دمشق، مع مناوبات للمعلمين والموظفين في أماكن عملهم.
ما زلت أذكر تماماً كيف كان كل شيء متوفراً خلال أيام الحرب، بل أذكر أن في الأيام التي سبقت الحرب كانت هناك أزمة خبز بسيطة، انتهت خلال الحرب وتوفر بشكل أكبر، ولم نشك من نقص أي مادة غذائية.
وتضيف دواجي: ما كان يجري كان معكوساً تماماً، فعند انطلاق صفارات الإنذار، وبدل أن يختبئ الناس في منازلهم، كانوا يتجمعون على الأسطحة والشرفات لرؤية الطائرات السورية تطارد الطائرات «الإسرائيلية» وتسقطها مترافقة مع الأصوات العالية لمضادات الطيران التي تنطلق من حول دمشق، ثم نرى من بعيد دخان ومظلات الطيارين «الإسرائيليين» يلقون بأنفسهم منها، وصار «الإسرائيليون» يربطون طياريهم بالطيارات لأنهم صاروا وبمجرد دخولهم الأجواء السورية يلقون بأنفسهم لمعرفتهم بأن الطيران السوري (ميغ 17) سيسقط طائرات (الفانتوم) خاصتهم.
تتابع: أذكر مرة سقطت طائرة «إسرائيلية» في بساتين منطقة جوبر، فامتلأت شوارع دمشق بالناس، بعضهم بملابس النوم يتسابقون للوصول إلى جوبر ورؤية الطيار، وعند وصولنا رأينا حطام الطائرة فقط.
وفي اليوم الرابع من الحرب، ألقى القائد المؤسس حافظ الأسد خطابه التاريخي وأعلن وصول الجيش السوري إلى طبريا، واستنهض أبناء الشعب السوري، ولن أنسى كلماته: (يا أحفاد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم، يا أحفاد خالد، وأبي عبيدة، وعمرو، وسعد، وصلاح الدين، إن ضمير أمتنا ينادينا، وأرواح شهدائنا تستحثنا، أن نتمثل معاني اليرموك، والقادسية، وحطين، وعين جالوت، و إن جماهير أمتنا من المحيط إلى الخليج تشخص بعيونها وأفئدتها إلى صمودنا العظيم، وكلها أمل وثقة بأننا إلى النصر سائرون).

print