ما إن يتعرض مرفق حيوي لـ «وعكة» أو تحل مأساة في موقع من المواقع الحيوية حتى يتبادر إلى الأذهان سؤال: أين ذهبت المليارات؟
فمثلاً عندما يتوقف العمل في مشروع «أبراج سورية» المزمع إقامته في البرامكة منذ تسع سنوات، مكان كراج بيروت القديم الذي تم ترحيله بجرة قلم أخضر تحت ظلام الليل إلى كراج السومرية غرب العاصمة دمشق، أسئلة كثيرة يطرحها توقف مشروع «أبراج سورية» وغيره من المشاريع المتوقفة، تبحث عن إجابة عن سير العمل والأداء في المشاريع المتعثرة منذ سنوات، فالكثير منها لم يرَ النور وبعضها لم يكتمل، وإلا لما كان الوضع كما هو عليه الآن في مشروع البرامكة حفرة ضخمة تركتها الشركة صاحبة المشروع علامة فارقة في سجل المشاريع المتعثرة التي بات مخاضها عسيراً ولم تحرك ساكناً بعدها، الريح تلعب فيها وتمزق لوحاتها الإعلانية التي لم تعد تعرف وجهاً لها » والصدأ يأكل قضبانها الحديدية والجوار من باعة وأصحاب محال تصليح السيارات جعلوا من «حيطانها» كراجات ومستودعات ومتكأ لكل ما هب ودب.
السؤال الذي يبحث عن إجابة: ما الذي جعل هذا المشروع يتعثر وهو في أول الطريق، هل الشركة المنفذة وصاحبة المشروع دخلت في مناقصة تفوق قدراتها أم إنها تقاعست عن إنجاز ما اتفقت عليه من تلقاء نفسها أم إن خلافاً حدث بينها وبين الجهة المتعاقدة أدى إلى ذلك التأخير؟
«تشرين» أثارت الموضوع لمعرفة الحقيقة من خلال طرح القضية على المختصين للخروج بإجابات شافية لهذه الإشكالية.
مشروع في فنجان
مشروع «أبراج سورية» حسبما أُعلن عنه قبل سبع سنوات وعندما كان «الحكي ما عليه جمرك» كان منتظراً أن يتم إنجازه خلال 6 سنوات، أي مع نهاية عام 2016، وهو برجان بارتفاع 60 طابقاً، وأن مساحة الأرض تبلغ 33000 م2 وقد تم تصميم المشروع بشكل ينسجم مع المنطقة المحيطة ويتضمن المشروع:
– أبنية مكتبية إدارية مبنية خصيصاً ومجهزة بشكل متكامل بأحدث التقنيات لضمان راحة العاملين فيها.
– فندق من مستوى خمس نجوم بإدارة عالمية مع فعالياته المتممة، يقدم لزواره أفضل الخدمات ويلبي حاجات المسافرين بغرض العمل أو السياحة والاستجمام، كما يحتوي الفندق على مركز مؤتمرات مهيأ بأحدث التجهيزات، إضافة إلى شقق فندقية.
– مركز تسوق يتضمن مجموعة متنوعة من المحلات التجارية.
– مطاعم ومقاهٍ تلبي مختلف الأذواق لأبناء المدينة وزوارها وذلك من خلال تقديم أصناف طعام محلية وعالمية في أجواء معاصرة.
– مركز تسلية ودور سينما متطورة تقدم إلى زوارها أحدث الأفلام.
– مواقف سيارات تحت الأرض تؤمن مكاناً سهلاً لدخول وخروج السيارات.
ويتمتع المشروع بموقع استراتيجي مميز وسط العاصمة ويتوقع لـ «أبراج سورية» في حال نفذت أن تضفي لمسة حداثة نوعية على المدينة التاريخية، وأن يصبح علامة فارقة في المشهد العمراني في منطقة المشرق.
وتوقع القائمون على المشروع آنذاك أنه سيكون فريداً من نوعه بمكوناته المتنوعة والمتكاملة وبارتفاعه الذي سيفوق ارتفاع جميع الأبراج المشيدة في منطقة «بلاد الشام» وأن المشروع سوف يلبي الطلب المتزايد على المكاتب والمساحات التجارية والفندقية الفخمة مستقطباً من خلال فعالياته المتنوعة الزوار من داخل سورية وخارجها.
كشف المستور
كشفت المذكرة التي قدمتها شركة سورية القابضة إلى محافظة دمشق صاحبة العقار أنها على ما يبدو غير قادرة وحدها على القيام بهذا المشروع الضخم لهذا طلبت من محافظة دمشق تسويغ التأخير في إنجاز المشروع، ورأت أن هذا التأخير ناجم حصراً عن الظرف القاهر الذي تعيشه البلاد واقترحت عليها عبر مراسلات عدة تعديل عقد الاستثمار رقم 50 المبرم بتاريخ 15/12/2008 من صيغة الـ BOT ليصبح عقد مشاركة.
وأشارت الشركة في مذكرتها إلى أنها، منذ الأيام الأولى لتوقيع العقد ومصادقة رئاسة مجلس الوزراء عليه، استثمرت الشركة أموالاً طائلة وبذلت جهوداً غير مسبوقة، وفي سبيل ذلك استقدمت الشركة أبرز بيوت الخبرة في العالم لإعداد التصاميم المعمارية ودراسات السوق ودراسات الجدوى الاقتصادية وبرامج التمويل والتصاميم الهندسية التفصيلية، بل قامت بحفر أرض المشروع وتدعيمها بالكامل فور استلام العقار، وتجاوز إجمالي ما استثمرته الشركة بين دراسات ومخططات هندسية وحفر وتدعيم وغيره 30 مليون دولار أمريكي.
ولفتت إلى أن الحرب الظالمة التي شنت على سورية من قبل دول التآمر وما نجم عنها من عقوبات أحادية الجانب أرغمت جميع الشركاء الخارجيين من استشاريين ومقاولين ومشغلي فنادق ومولات على إلغاء العقود بموجب شرط الظرف القاهر والوضع غير المستقر، ما كبّد الشركة خسارة مبالغ مالية كبيرة استنزفت مواردها وجعل من المشروع الأيقونة حلماً صعب المنال لغياب القدرات الفنية.
وقالت الشركة: إن سنوات الحرب أحدثت تغييرات جوهرية في المشهد الاستثماري والاقتصادي السوري، لم يعد المشروع بشكله المتعاقد عليه مجدياً ولا حتى ممكناً وبات لزاماً إعادة هندسته بالكامل بما يتمشى مع المرحلة القادمة ومتطلبات السوق الجديدة وضمناً البرنامج الوظيفي والتصور المعماري والأدوات المالية.
وبينت الشركة أن التصور الجديد لمشروع «أبراج سورية» يمتلك فرصاً أكبر للنجاح لتحقيق موارد مستدامة ومجزية لمحافظة دمشق، وهو أكثر انسجاماً مع الواقع، إذ يلبي الاحتياجات المستجدة والمتوقعة وأكثر قدرة على التأقلم مع المتغيرات إذ إنه سينفذ على عدة مراحل تمتد على مدى تسع سنوات، وأكثر انصهاراً مع المجتمع المحلي، إذ سيعتمد ما أمكن على الخبرات والموارد المحلية.
وراء الأكمة ما وراءها
وقد يقول قائل: إن عرض الشراكة مع محافظة دمشق جاء ليكون هروباً من الشركة إلى الأمام، فالشركة السورية القابضة تريد أن تحافظ على ماء وجهها وتحمّل الأعباء لمحافظة دمشق أمام الشركاء والمكتتبين والبنوك الذين تنوي الشركة الاقتراض منهم لتمويل المشروع، إضافة إلى أن العقار الذي سيقام عليه المشروع تعود ملكيته للمحافظة، وبهذا تكون الشركة قد رمت أكثر من عصفور بحجر واحد.
وعلى هامش عرض الشراكة وواقع حال المشروع قال المحامي فيصل زهير سرور- عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق المسؤول عن قطاعي التخطيط والمالية: المحافظة تنظر إلى كل أملاكها المعدة للاستثمار بعين التفاؤل في المستقبل، من خلال الاهتمام الحكومي الخاص بأملاك الوحدات الإدارية وضرورة معالجة أوضاعها بشكل كامل لتحقيق المردود الأمثل والحقيقي.
وعزا سرور توقف وتأخر هذا المشروع ومشاريع الـ BOT كغيرها من المشاريع السياحية إلى ما تتعرض له سورية من حرب تآمرية تركت آثارها السلبية في البشر والحجر، وإن تفاؤل المحافظة تكوّن على خلفية ما يوليه السيد رئيس مجلس الوزراء من اهتمام شخصي في حل كل العقبات وتذليلها من أجل إنجاح مشاريع الوحدات الإدارية، ويأتي نجاح هذا المشروع «أبراج سورية» من خلال تأمين التمويل اللازم له ومن خلال السماح له بالرهن العقاري بضمانة الأرض.
وبيّن أن وزارة السياحة تسعى قبل الأزمة لحل هذه المعضلة القانونية الحالية مع المصرف المركزي والمصارف الأخرى.. وعن الشراكة مع شركة سورية القابضة لفت إلى أن المحافظة، وباهتمام من الدكتور بشر الصبان محافظ دمشق، منفتحة على تشجيع الاستثمار إلا أن موضوعاً كهذا يحتاج إلى قرار من المجلس الأعلى للسياحة.
شراكة المحافظة ضمانة
المهندس ثائر اللحام- المدير العام لشركة سورية القابضة شدد في معرض رده على ما أثير حول التشكيك والاستمرار بالمشروع على إصرار الشركة على مواصلة مسيرة عملها في هذا المشروع، معتبراً أن مشروع «أبراج سورية» من أهم أركان الشركة فمنذ توقيع العقد والشركة منشغلة بأسباب إنجاح المشروع حيث كان ممولاً ليكون أيقونة لدمشق، وكان من المفترض أن تكون «أبراج سورية» كبرج إيفل، هذا كان يستوجب في ذاك الوقت تأمين مستلزمات النجاح التي لم تكن متاحة محلياً، لهذا لجأت الشركة للتعاقد مع جهات خارجية، فالتصميم كان لشركة فرنسية والدراسات الهندسية كانت من نصيب شركة إقليمية فيما كانت دراسات الجدوى الاقتصادية من اختصاص شركة أمريكية، وقد نجم عن هذا الموضوع إبرام عقد شراكة مع شركة «الجميرا» الإماراتية لتكون شريكاً استراتيجياً في هذا المشروع من أجل إدارة أحد أبراج المشروع.
وقال مدير عام الشركة: مع بداية الحرب على سورية عام 2011 كانت الشركة تقوم بأعمال الحفر في موقع المشروع، وقد أنجزت أعمال الحفر والتدعيم في الشهر السابع من العام ذاته، مع الإشارة إلى أن الشركة استلمت مواقع العمل بداية عام 2010.
وأشار اللحام إلى أنه بسبب الحرب والعقوبات الاقتصادية الجائرة المفروضة على سورية انسحب بعض الشركاء الاستراتيجيين وعلى مضض، مشيراً إلى أنه ومع بداية عام 2015 بدأت الشركة تعيد النظر كيف يمكن لهذا المشروع أن يعود إلى العمل من خلال صيغة جديدة تتناسب والوضع الجديد لسورية، فالشركاء لم يعودوا موجودين كشركة «الجميرا» الإماراتية والسوق السوري يشهد متغيرات كثيرة، لهذا بدأنا نتطلع إلى المشروع بهوية جديدة تتناسب مع حاجات سورية للمرحلة القادمة وليس لمرحلة ما قبل الحرب، وبالإمكانات المتاحة الحالية، فلم يعد لدينا في سورية خبرات هندسية تسمح بتشييد 60 طابقاً، لذلك بتنا مضطرين إلى إعادة النظر في صيغة المشروع مع إصرارنا أكثر من قبل على تنفيذه ولكن بملامح جديدة قابلة للتنفيذ وبما يخدم دمشق وسورية كلها.
وأشار إلى ضرورة التواصل مع الجهات الحكومية المتمثلة بـ «وزارة السياحة- محافظة دمشق» للاتفاق على الصيغة المناسبة ليكون الجميع رابحاً في نهاية الأمر، مع الأخذ بالحسبان أن لجنة شكلت منذ أشهر لإعادة النظر في المشاريع الاستراتيجية المتعثرة بهدف دراسة الأسباب بقصد تذليلها وتوفير المناخ المناسب لعملية استمرارها، وقد تكون «أبراج سورية» من المشاريع الأولى التي يتوقع لها أن تقلع من جديد، فهناك حفرية على عمق 20 متراً سوف تبدأ الشركة منها، وهندسياً فهي أمام أمر واقع يمكن التعامل معه.
وعن تعديل عقد استثمار المشروع إلى عقد شراكة مع محافظة دمشق، أشار مدير عام شركة سورية القابضة إلى أن الصيغة التي كانت معتمدة سابقاً لدى وزارة السياحة أن تكون المشاريع بصيغة الـ BOT، ولكن هناك مشكلة في هذه الصيغة وهي أن العقد لا يستطيع تأمين التمويل المصرفي اللازم، فالمصرف لا يعترف بعقد الـ BOT كضمانة والجهات الحكومية لا تستطيع تقديم ضمانات لشركائها، فالعقود القائمة على الشراكة تصبح ضماناتها أسهل، إذ إن المشاريع الناجحة هي تلك التي أنشئت بصيغة الشراكة في حين المشاريع التي تعتمد على الـ BOT تتعثر أمام التمويل المصرفي.
وأضاف: تقدمنا بمقترح عن الشراكة مع محافظة دمشق، ونبدي شديد الحرص على أن نعيد الإقلاع في هذا المشروع إذ اقترحنا أن ننطلق بحوار من خلال صيغة جديدة للمشروع بغض النظر إن كنا سنصل إلى عقد شراكة أو إلى تعديل هذا العقد.
ولفت إلى أن العقد الحالي بحاجة إلى إعادة النظر ببعض ملامحه، فالمشروع الذي قدرت تكلفته بأكثر من 325 مليون دولار كان من المفترض أن يكون قد أنجز ووضع في الاستثمار الفعلي حسبما كان مقرراً عام 2016، ونفى اللحام أن تكون هناك عقود موقعة مع بعض المصارف لتمويل المشروع، وما جرى هو مذكرات تفاهم أبدت فيها المصارف استعدادها لتقديم المساعدة اللازمة بعد الاطّلاع على أوراق المشروع لمعرفة إذا كان شراكة أم BOT، مؤكداً أن المصارف لم تعد لديها المقدرة على التمويل كالسابق بسبب انخفاض سعر الصرف.

print