تعالي لنحتفل بالصمت.. أتعبنا الضجيج.. وأتعبنا التعب، وركام الوقت.. رنين الساعات الخاطئة، والعربات التي تقضم الدروب.. وهاك يدي الأليفة مثل غيمة ستهطل بعد قليل.. وقد انتظرتكِ الحقول.. وانتظركِ الشتاء، وأعلنت المعاطف ضجرها.. وكان الازدحام شديداً عند مفارق الليل..
وحدك ستذهبين الآن إلى الموج، ووحدي سأمضي إلى القرنفل.. وأسألك: أين تنام الفراشات حين يتعب النهار؟.. وكيف تغافل السنابل عباءات الثلج، وتؤلف قصائد القمح؟.. وماذا يقول الغريق للسمكة التي بكته؟.. ومن ينفخ فوق كفين أحرقهما الغبار؟.. ومتى سيجيب التلميذ اليقظ عن الأسئلة النائمة؟..
صعبة كلماتي.. لكن أوتار القيثارة صعبة.. والتراب صعب.. والندى صعب.. وذات صباحات كثيرة، يبلغ تعدادها مليون صباح، كنت محدودباً مثل حروف الهاء، وقلقاً مثل مياه جداول ستصب في نهر.. ثم جاءت معجزة الغابة، والنخل الطويل، ومؤامرات الفجر، يوم كانت العتمة لاتزال تسكن شعرك الطويل.. وكان الهدوء يسكن مثل براكين تحت معطفك الأزرق.. وكنت لا أزال أراقب شرايين عشقي، وهي تتدفق نحو بحرك، ثم ترتد مثل مويجات في شواطئ الجنون..
منفيان نحن من مشهد الرق، إلى فظاظة استلاب الأحلام، ومن مشاهد تكديس الرمان فوق التوت إلى مشهد غزل العباءات من شرانق الحرير.. وحين هممتِ بالتقاط حفنة موج من الأبيض المتوسط هاج البحر ويا له من بحر حسود، وصنع جوقة من أغاني الصيادين..
أتساءل أحياناً في ساعات نعاسي النادرة: كيف ينبت النعناع البري بعيداً عن جداولك المثيرة.. وينحدر القطا إلى تراب مشبع بالمطر؟.. وفي رحلتي الأخيرة من الشمال إلى الجنوب، وفي أرض وعرة، رأيت حماماً برياً، يغطّ على الأرض ملتقطاً رزقه، ثم يهرب مني، لم أكن أحمل بندقية.. ولم أحمل بندقية إلا في سنوات الحرب، حيث لم أطلق رصاصي إلا على المحتلين، فلماذا يهرب الحمام البري مني الآن كما تهربين؟..
سأعبر إليك، وأزرع هديل خطواتي على الأرصفة التي مشيناها، وأقتلع بلاطة بعد كل عشر خطوات، لأزرع في فراغها قرنفلة، كي لا أتعثر بالشوق إليك، ولا تعرف خطاك إلا الأغنيات إلي.. سأنثر كثيراً من السمسم على أكتاف الجبال، وأبتكر كثيراً من حقول اليانسون، وأنهاراً من القش، وأحفر في جدران الطين أعشاشاً للسنونو، وأسأل: كيف يغادر الدفء موطنه، وأنت تنّور على جدار القلب؟..
فتعالي لنحتفل بالصمت.. ونقيم قداساً للحروف المنسية.. وللقبل المعرّشة على أسلاك الذاكرة.. تعالي أيتها الأليفة مثل دالية.. الراقدة مثل عصير عنب في خابية، ينتظر الضجيج..

print