بعد عودة أسمهان إلى القاهرة سنة 1938، واعتكافها في منزل أمها الأميرة علياء المنذر، بدأ يتردد الكثير من عباقرة الموسيقا والغناء إلى هذا البيت، الذي تحول إلى ناد للثقافة والموسيقا، وقد سُحر عبقري الموسيقا العربية والمجدد الأول في الأداء الغنائي محمد القصبجي بصوت آمال الأطرش (أسمهان)، التي سيكتب لها الكثير من المونولوجات الرومانسية ليحقق بذلك تجاربه في التجديد وكتابة اللحن بعيداً عن تقاليد التطريب والأنماط السائدة وقت ذاك، وشاء أن التقى بأكثر الشعراء قدرة على كتابة المونولوج الشاعر يوسف بدروس الذي اشتهر بكتابة المونولوج والقصائد المغناة، فكتب مونولوج (أنشودة البلابل) الذي عرف فيما بعد بأغنية يا طيور بعد أن لحنها القصبجي وغنتها أسمهان.
يجتمع في هذه الأغنية الإبداع الصوتي واللحني والتجديد في تصوير الكلمة والجملة الشعرية في الأداء الغنائي المثقف والعارف لأبعاد الصوت وتجلياته، إنها من أكثر الأغاني المكتنزة بالتعبيرية والتصوير، أو هي تكاد تكون ذروة الأغاني التي تعبر وتتماهى مع الجملة الشعرية والمفردة والحروف وإحالاتها الدلالية، لأنها اختزلت تجربتين إبداعيتين على مستوى كتابة اللحن والأداء الصوتي، فمنذ بدايات محمد القصبجي في الكتابة والتأليف الموسيقي كان يميل إلى التجديد في الموسيقا والوصول إلى التعبير في التأليف الموسيقي من أبسط أساليبه بعيداً عن التطريب التقليدي، لذلك حين وجد القصبجي المساحات الصوتية العالية والمتعددة الفضاءات في صوت أسمهان ركز على ظهور التصوير في الموسيقا واللحن لينجز عملاً متميزاً من حيث اللحن والغناء، وصوت أسمهان كما يشير الكثير من النقاد والموسيقيين من أكثر الأصوات قوة وعذوبة في اللحن، هذا الصوت الرأسي كما يصفه نقاد الموسيقا يحتمل التصوير والملحمية في كل الطبقات، إضافة إلى مخارج الحروف في المفردة التي تعلو وتعلو في فضاءات السحر والأداء.
في الأغنية يكتشف المستمع مساحات اللحن وتعرجاته وتعبيراته المتماسكة في التفاصيل والرؤية لذلك أراد القصبجي عبر هذا اللحن أن يدفع جلّ تجربته في الطرب التأملي من جهة، وفي حداثة اللحن ومؤثراته في الموسيقا الغربية، فبعد أغنية (يا طيور) لم يعد المونولوج الرومنسي وقتذاك حبيس التقليد في الأداء والرؤية بل تعداه إلى أن ينسجم مع اللحن والجملة الشعرية.
تبدأ الأغنية بالمقدمة الموسيقية وهي ما تميز المونولوج إذ تحيل صوت الكمنجات الحاد وتهيئه للصوت البشري للدخول في فضاء الجملة ليحضر المستمع نفسه لطبقات صوتية عالية في الأداء اللحني، يدخل صوت أسمهان بمفردة يا طيور الأولى بعد سكتة قصيرة ثم جملة (غني وجدي وانشدي وجدي وآمالي) ثم مفردة (يا طيور) الثانية التي تتغير بتغير الحالة الأدائية وكأنها في البداية مشوبة بصوت الاستغاثة ومن طبقة منخفضة فيها اللوعة والعتاب لكنها بامتدادات اللحن تجعلها تنتهي بالقدرات الأوبرالية لصوت أسمهان فتصل إلى ذروة الطبقة وانسيابها السهل في منحنيات الجملة الموسيقية.
من المؤكد أن اللحن هنا ليس استعراضاً لقدرات الصوت بشكل تمثيلي بل إنه الركيزة الأساسية لانطلاق القطعة الموسيقية والغنائية، لأن البداية ستكشف، فيما بعد، عن جمل لحنية تتفق مع المفردة والجملة الشعرية، فبعد مفردة يا طيور الاستغاثية يأتي اللحن المتمم للجملة الشعرية وهو إحساسات التمني والرجاء.
حين نسمع (ياطيور) يكون لتسكين الواو دلالته في اللعب على مجموعة التصوير العبقري، ثم يتصاعد اللحن ويصل إلى التعبير الشعري بعد (يا طيور) الثالثة إذ تتحول الأغنية إلى الحكاية الملحمية التي تعبر في شعريتها إلى حكاية العاشقة المنتظرة بين أغصان الشجر تسلي نفسها بأصوات العنادل والبلابل، إلى أن تنتهي الجملة الغنائية الأخيرة (لوكان بيعشق ونابه حظي وأنا سهران/ لكان بكى من عذابه وناح مع الكروان) هنا يصل اللحن الأوبرالي ذروته في الأداء التعبيري، إذ إن الألف والنون في كلمة كروان تدخل في التعبير في البداية مع صوت الفلوت الذي يتماهى شيئاً فشيئاً مع صعود اللحن فتنتهي كلمة (كروان) مع التعرجات الصوتية التي تؤديها اسمهان بطريقة جديدة تصل إلى مرحلة النشوة والعبقرية، ويصل الانسجام في اللحن وصعود الصوت العبقري متناغماً مع صوت الفلوت في لحنه الارتدادي حيناً ويعلو شيئاً فشيئاً مع الاحتفال بصوت الطيور.
يذكر أن القصبجي وبعد موت أسمهان سنة 1944، انقطع عن التلحين، وكأنه لم يجد مساحات صوتية جديدة تعبر عن إبداعاته اللحنية وتجديده في الموسيقا العربية، ولم يكتب سوى لحن (رق الحبيب) التي غنتها أم كلثوم سنة 1946.

print