كانت خياراً موفقاً، سرعان ما استرجعتها فضائيات سورية فور انتهاء المباراة التي جمعت منتخبنا مع نظيره الإيراني قبل أيام في مشوار التصفيات المؤهل للمونديال… «دقوا عالخشب يا حبايب».. أعوام مضت منذ سمعنا هذه الأغنية للمرة الأولى قبل أن تغيب شيئاً فشيئاً عن وسائل الإعلام مع صاحبها الفنان عصمت رشيد لتصبح جزءاً من ذكريات التلفزيون السوري كما تسميها إحدى صفحات الفيسبوك.
حالة الغياب أو التغييب شملت أسماء فنية كبيرة، من أشهرها الفنانون نعيم حمدي، فهد بلان، دريد عواضة، فؤاد غازي، معن دندشي…. لم تعد لأصوات هؤلاء حصة في الإذاعة أو التلفزيون، صُنفوا فناً قديماً رغم ما صنعوه في زمن صعب، كان عليهم أن يثبتوا موهبة حقيقية، أبعد ما تكون عن مفهوم التسويق الدارج، تمريراً لكثير من الابتذال والبهرجة. قدموا باللهجة السورية، نماذج غنائية منوعة بين الاجتماعي والوطني والعاطفي، منهم من احترف الموال والعتابا، بينما برع آخرون بألوان أخرى، بعيدة عن اللحظية والاستسهال، فلم يكن مقبولاً في أيامهم الخلط بين فنان وآخر، لم تكن الأصوات ولا الأساليب متشابهة، كان ذلك عيباً ينتقص من قيمة المطرب وأهمية حضوره.
مع مرور الوقت صار التدني حالة شبه عامة، هبط المستوى الفني مع إلغاء ما كان يسمى لجنة المنوعات في الإذاعة والتلفزيون، كانت معنية بإذاعة الأغاني وانتقائها، ليصبح الأمر مرهوناً بالمصلحة المادية والهدايا، فهناك من يدفع ليظهر في حفلة أو لقاء إعلامي استجداء للشهرة. واستمر التدني مع اتجاه العديد من الفنانين نحو اللهجات المصرية والخليجية واللبنانية، من دون أن ننسى فقدان كبار الملحنين والكتاب أمثال: محمد محسن، عبد الفتاح سكر، عدنان أبو الشامات، عمر حلبي، مسلم برازي، فوزي المغربي، وغيرهم. وعزوف آخرين عن العمل لأسباب مختلفة، حتى لم يعد لأغنيتنا ما يميزها. تالياً صار فنانونا نسخاً تشبه بعضها، ينجح أحدهم في لون ما، ثم يقلده البقية وهكذا. بالطبع هؤلاء أصبحوا نجوماً في سماء الفن السوري كما تصفهم وسائل إعلامية، يتقاضون مبالغ هائلة لقاء حفلاتهم، في حين لا يتاح لفناني الجيل الأسبق الظهور أكثر من ربع ساعة في حفلة جماعية!.
حال الأغنية في بلدنا ليس سراً، لدينا تاريخ فني متروك للأدراج، تسجيلات وحفلات يحكمها المزاج والمناسبة، لا أحد معنياً بها، تغيب عنها الشركات الإنتاجية الداعمة ولا تجد لها مكاناً في الإذاعات الخاصة، ومع غياب المهرجانات المخصصة للأغاني المحلية، كان لزاماً أن تفقد أغنيتنا هويتها الخاصة، يكتمل ذلك بالتغاضي عن وجود قانون لحماية الملكية للأغنية السورية، يضمن حقوق أصحابها وينظم بثها.
في لقاء سابق معه، أخبرنا نقيب الفنانين زهير رمضان، أن الراحل سهيل عرفة طلب رؤيته في أيامه الأخيرة لأمر ضروري، قال له يومها: الأغنية السورية أمانة في عنقك، أتمنى منك التواصل مع المعنيين في الإذاعة، للتخفيف من بث الأغاني الهابطة، لا نريد للأجيال القادمة أن تنسى تاريخها وأغنياتها الوطنية المهمة التي قدمناها محبة للوطن، وعلى ذمة رمضان فقد تواصل مع الإذاعة وأوصل لهم ما حصل، على أن تقيم النقابة مهرجاناً يؤكد رؤية الموسيقار الراحل، تحت عنوان «ذاكرة الأغنية الوطنية السورية»، إحياء لتراثنا بأصوات شابة، ومحاولة لنشر الأغنية الوطنية الجادة والملتزمة. وإن كان إنجاز المنتخب الأخير فرصة ليسمع محبو كرة القدم من الشباب، الأغنية الأشهر والأكثر شعبية، بعد قطيعة طويلة معها، والمفارقة أنها تكررت عشرات المرات خلال يومين فقط، ونجحت مجدداً في كسب محبة الجمهور وإعجابه، ربما لأن معظم ما قدمه الفنانون في مجال الأغنية الرياضية خلال السنوات الماضية ظل قاصراً عن مجاراة ما فيها من حماس وبساطة يحبها السوريون، على أمل أن تُنقذ مناسبات قادمة، أغاني وفنانين آخرين فلا شيء يوحي بتغير في حال الأغنية السورية وذهنية المعنيين بأمرها.

print