بصمتٍ، رحل منذ ثلاث سنوات فنان تشكيلي تميّز بدقّة عمله وقوة خطوطه، اختلف الفنانون التشكيليون على تصنيفه، فالبعض قال إنّه تسجيليّ والبعض الآخر قال: إنه فنان توثيقيّ، لكن السّمة الأساسية التي عنون بها النّاقد والفنان التّشكيلي أديب مخزوم النّدوة التّكريمية التي أقيمت في الذّكرى الثالثة لرحيل زكاري في المركز الثقافي العربي في المزة، هي فنان الأزياء الشعبية والمعالم السّياحية الأول ليس في سورية فحسب بل في العالم، وذلك بفضل رسمه الأزياء الشعبية لكل المحافظات السورية وطباعتها بطاقات «البوستال» كان يطبعها على نفقته الشّخصية وتوزّع على المكتبات.
هذه البطاقات كانت جسر عبور الرّاحل زكاري إلى العالم، يقول أديب مخزوم: كان الأجانب يشترون هذه البطاقات واللوحات لأنهم يقدرون قيمتها وقوتها ولأنهم يفتقرون إلى هذا الفن، أما غير ذلك من فن تكعيبي وغيره فلا يشترون لأنهم يقولون: «هذه بضاعتنا وردّت إلينا»، وإن كان الانتشار معياراً للعالمية فإنّ «زكاري» فنان عالمي بامتياز.
زار زكاري المحافظات السّورية وكان يقيم في كل محافظة أسابيع حتى يتمّكن من رسم الزّي الشعبي لكلّ منها بدقّة عالية مشهود لها من قبل الجميع، يقول مخزوم: لم يكتف زكاري برسم الزّي الشّعبي فقط، بل اهتمّ بالوجوه أيضاً وأعطاها الملامح الخاصّة بكلّ محافظة، فملامح فتاة من طرطوس لاتشبه ملامح فتاة من السويداء، كما كان ينزعج من أن يرسم أحدهم فتاة من طرطوس بملامح أجنبية.
يضيف مخزوم: «رسم زكاري أيضاً المواقع الأثرية بلغة تصويرية دقيقة لكنّه أعطاها من تخيلاته، إذ رسم إلى جانب قلعة دمشق فتيات يرتدين الزّي الشّعبي الذي كان سائداً في المدينة في فترة ما، ومن عشقه لهذا الموروث كان يصمم الأزياء الخاصة لفرقة أميّة للفنون الشعبية».
سجّل زكاري هذا الإرث للأجيال القادمة في ظل هيمنة العدسات وغيرها، فكانت له أعمال كثيرة رسمها على إصدارات وزارة الثقافة أو وزارة السياحة للتعريف بحضارة سورية، إضافةً إلى أنه كان يقوم بتصميم الطّوابع والمجموعات التذكارية، إذ نال الميدالية الفضية بمسابقة تصميم الطوابع البريدية في باريس 1964، إضافةً إلى رسمه الشخصيات التاريخية.
ويؤكّد مخزوم ما يؤكّده الكثير من الفنانين التّشكيليين أنّ زكاري أوّل من اشتغل على هذا النّوع من الرّسوم، لكنّه يختلف معهم في أنّه فنان تسجيلي أو توثيقي، يقول: هو فنان تشكيلي وخطوطه قوية جداً، من الظّلم أن نصنّفه هكذا.
حياة طويلة كرّسها الفنان زياد زكاري (دمشق 1928وتوفي 11-9-2014) ليرسم هذا الإرث السّوري، ويضيف للمشهد التّشكيلي السّوري فناً توثيقياً وتسجيلياً عرض أديب مخزوم جزءاً مطبوعاً منه إضافةً إلى أعمال أصلية قليلة -استعارها من أسرته- أخذت مكانها في المعرض الذي رافق النّدوة وشارك فيه فنانون تشكيليون من مختلف الأجيال، اجتمعوا.. تصافحوا.. تعاتبوا.. ورحل معظمهم من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء حضور التّكريم الفقير أصلاً، والذي كان من المفترض أن يشارك فيه الفنان أنور الرّحبي لكنّه تغيّب ولم يأت على ذكره المحاضر أبداً.
إرث مهم وغني لم يتبق منه إلا القليل، يبين الأستاذ بشار زكاري ابن الفنان الراحل: هناك لوحات بيعت وأخرى موجودة لدينا في المكتبة لمن يود رؤيتها أو شراءها.

print