تفتحُ الفنانة التشكيلية هنادي الكفيري، بياض لوحتها على مشاهد عتيقة مُفعمة بالآلهة القديمة، كما تُحضر حكايا من قاع صناديق مُتخمة هي الأخرى بالمثيولوجيا.. تحضر وجوهاً تُشكل من خلالها خطوطها وألوانها وتكاوينها، مُجتهدةً لأن تُقدم لوحة تشكيلية لها الكثير من الملامح التي تُعطيها خصوصية، تمنحها بعضاً من مُفارقة عن مشهدٍ تشكيلي يتعبه الكثير من التشابه، حتى كاد أن يُربكه.
بحث عن مفارقة
وتمنحُ هنادي الكفيري تلك الخصوصية للوحتها من غير مرجعية، فهي تفتح أبواب لوحتها لأزمنة بعيدة موغلة في قدمها في الأرض السورية العتيقة، فهي تعود لزمن «الربات» التي كانت تماثيلها تُزين قمم الجبال السورية ومدنها وممالكها مانحةً الجمال، وحاملةً سهام الحب حيناً وجرار الماء، ونبع الخصب طوراً، وفي مرات أخرى تتعدد بوجوه الغضب والفرح، بتعدد حاملي تلك الوجوه الطافحة بمختلف التعابير؛ زمن عشتار وإنانا وفينوس وعشرات الربات القديمات في زمن أمومي مُفعم بالحب والدفء ساعياً للسلام بكل خوف الأنثى وشغفها وتوقها.
تلك هي أولى مرجعيات هنادي الكفيري التي ستنوّع عليها بغير لوحة فنية، بتلك البورتريهات التي لن تكتفي بملامح الوجه من عيون وأنف وعنق وأكتاف، بل ستملأ كل بياض بعشرات الطيور والأسماك والقطط، التي تتنوّع هي الأخرى بوقفاتها وإيحاءاتها الرمزية، والتي ستجعل من حيزٍ صغير، هو أبعاد لوحة عادية، سجلاً لا نهائياً لتأويلات القراءة.
وإذا ما أضفنا اختيار هنادي الكفيري لألوانها التي هي نتيجة مُعطى مثيولوجي هو الآخر كمُعادل للتكوينات ذات المرجعية الأسطورية واستخدام تقنية الحفر والطباعة والحبر الصيني، والألوان التي يكون دافعها مبدأ «الشاكرات»، فسنحصل في خواتيم القراءة للعمل التشكيلي على مهرجان ألوان ومنمنمات وزخرفة يحتفي بالربات الأم وإلهات الإنبات والحب والحرب التي ستُشكّل مُعادلاً ما للمرأة على اختلاف نوازعها وحالاتها، ثم هذا السحر من الخيال الذي شكّل ما يُشبه الاستفزاز الفني والإبداعي لهنادي الكفيري. أو كما تقول: «عملي الفني بشكل عام مرتبط بالفكرة واللون والتقنية بالفكرة بمعناها المرتبط بالرموز الأسطورية والألوان المرتبطة بالوعي والمقامات والتقنية المبنية على الطباعة الخشبية».
نوافذ للبعيد
ذلك أن هذه الفنانة لن تكتفي بفتح النوافذ لتمد بمجساتها صوب الأرض القديمة وتُخصّب بها أعمالها التشكيلية، لأنها ستفتح باب اللوحة الرئيس على مُعاصرة قادمة بكل قوة الرسوخ المتجذرة بهوية وغنى الحكاية، وذلك بما تحشده من الرموز وبتلك الحمولات والتفاصيل، لدرجة يشعر معها متلقي لوحة الكفيري أن ثمة خشية من «فراغ ما» في بياض اللوحة.. تقول الكفيري: «عندما يكون الموضوع الرئيس للعمل هو المرأة، فهي تتحمل هذا الغنى في الرموز والمعاني، وأنا أرتكز فيها على الأسطورة والمعنى، لكل عمل خصوصيته وارتباطه برموز كانت ولاتزال مرتبطة بالأنثى». وتُضيف: في الأساس أنا حفارة، ومن ثم كانت هذه القوة في خطوطي وهذا الإيحاء في الزخرفة والمنمنمات التي تسري في دمي، ومن هنا أيضاً لا أخشى الفراغ، بل أحب الغنى، وأميل لخصوصية في أعمالي في جو ممتلئ بالفنانين التشكيليين. وأسألها: هل العودة للأسطورة لغنى النص القديم أم لربط العمل بهوية مكانية؟ فتجيب: درست الأسطورة من خلال كتب فراس السواح لربط أعمالي بمعنى مهم، يعطي المرأة هويتها الحقيقية، ولغنى النص القديم بالمعاني والرموز، حالات كثيرة للمرأة تحتاج هذا المعنى القوي الأسطوري، وكنت عملت أيضاً برسم القطع الأثرية في المتحف الوطني، وهذا من الأسباب التي ساعدتني في العمل على الكثير من الرموز وتحويرها لخدمة العمل الفني. وتذكر: عندما تكون المرأة هي الأساس في لوحتي، فهذا يجعلني أسعى وأبحث عن تفاصيلها في كل شيء، وكانت الأسطورة أمامي لما تحمله من معاني وحالات في الحب وفي الغضب والسطوة والأمومة والقيادة والنجاح، وتخييل هذا التنوع الذي لا ينتهي. هنا كانت الكفيري، وفي أحد وجوه شغلها التشكيلي تقرب نص الأسطورة من خلال الفن، وذلك بالحمولات التي ستكون هنا كثيرة ومتنوعة، وكل هذا الزخم اللوني والزخم الرمزي، الذي جاء بتقنيات تشكيلية مُتعددة.
عيون واسعة
من ملامح لوحة الكفيري سيلفت نظر المتلقي أمران: هذه العيون الواسعة الأقرب للفرعونية، والألوان التي تتنوع بين الأزرق وتدريجاته من بنفسجي ومشتقاته، وقليلاً من الأصفر لكن كان ثمة انجذاب لهذه الانزياحات صوب الزرقة؟ هذه العيون الكبيرة التي هي مرآة الفنانة – كما تقول- في العمل والتي تُحب أن تكون أحد مفاتيح المتلقي للوحة والوقوع بسحرها ما أمكن، عيون ميزتها الاتساع، مرة تنظر بتركيز شديد، وأخرى بنصف إغماضة، ومرة ثالثة فارغة كعيون تماثيل إغريقية قديمة.
وأما الألوان؛ فتربطها بالمقامات، أو الشاكرات، أو كما تُسمى بدوامات الطاقة لكل منها لون، وطالما تربط الفنانة العمل التشكيلي برموز الأسطورة، والألوان بالتأمل، و«الشاكرات» هي مقامات الجسد، وهي سبعة: مقام الجذر المرتبط بالأرض ويأخذ اللون الأحمر، البطن المرتبط بدواخل الإنسان وهو الماء، ويأخذ اللون البرتقالي، بينما أخذ اللون الأصفر الذي هو النار في المعدة والمرتبط بالخوف والحرية، وتبدو شاكرا القلب المحبة المطلقة باللون الأخضر، بينما الحنجرة التي تعني مركز الحكمة والثرثرة والهواء باللون الأزرق، وأما العين الثالثة أو البصيرة، فهي هذا الأثير الأزرق بين العينين، وأخيراً مقام الوصل والفصل الذي يُشكّل العلاقة الروحية مع الخالق باللون البنفسجي والأرجواني، كل هذه الطاقات قدمت من خلال تنويع بوضعيات تأملية للمرأة.
لأن للمرأة وعياً عالياً صافياً إذا لم يشوهها المجتمع، وإذا لم تشوه نفسها – كما تؤكد- من هنا فإنّ عشقها لكلّ هذا الأزرق والبنفسجي، لأنه مرتبط بـ«شاكرا» الجبهة والتاج، وهي أعلى المستويات، أي أنها تضع المرأة في مكانتها الرفيعة.

print