عندما كنّا في المرحلة الابتدائية لم نكن نجرؤ على السير على الرصيف الذي يمشي عليه معلمنا، ولمرات عديدة كنا نركض فرحاً بأن معلمنا لم يلمحنا عند تسللنا أمام متجر كان يعمل فيه بعد ساعات المدرسة، فالقاعدة آنذاك لم تكن حسب مقولة آبائنا «خذه لحماً وسلِّمنا إياه عظماً فقط»، وإنما الاحترام واجب بغض النظر عن سماكة لحمنا.
سنوات مرت وبدأت هذه المفاهيم تتغير وتنقلب ووصلت اليوم إلى أن أصبح المعلم ملزماً باحترام بعض تلامذته وليس العكس، وتفضيلهم عن الآخرين، بسبب ياقات آبائهم البيضاء والزرقاء، أو بسبب طول يدهم.
ولأن بائع السم يذوقه انتقلت العدوى إلى المعلمين وبدؤوا بممارسة سلوك أصحاب الياقات بأنواعها المختلفة، فأصبح معلمو مدارسنا الحكومية يستأثرون بما يطيب لهم من مقدرات المدرسة، فابن المعلمة يفطم في المدرسة، ويقضي مدة حضانته أيضاً وكذلك مرحلة التحضيري فيها، وتأتي مرحلة التعليم الأساسي فيكون قد حفظ ممرات المدرسة ودهاليزها ومعلماتها فلا يهاب أحداً بالعكس له الأفضلية في كل شيء، فهو يدخل من باب المعلمات ويخرج منه معززاً من دون تدافش أو تدافع لأنه ابن المعلمة، والشعبة المميزة بالتعليم هي لأبناء المعلمات والمقعد الأول طابو لابن المعلمة، وله عرافة الصف أيضاً وأي نشاطات مدرسية لأنه خبر المدرسة ونمت شخصيته منذ كان في مرحلة الروضة. كذلك الباحة التي في الظل هي لأبناء المعلمات والتوصية حاضرة دائماً، فهو مرسال بين الإدارة والمعلمة والتمييز له بالأسئلة والإجابة والقراءة, وفي فترة المذاكرات لا تتردد المعلمة بتصحيح خطأ له، كي تبقى علامته تامة إرضاءً لزميلتها، وطبعاً لا يعترض أي تلميذ آخر أو ينتقد ذلك، لأنه يعرف ما سينتظره من معاملة لا يحسد عليها.
وفي النتائج النهائية تهون الطرق في سبيل أن يكون في المراتب الأولى، والهدايا المميزة عن أقرانه إرضاء لأمه المعلمة فهي زميلة المهنة. ولأن كثر الدلال يفسد يُصدِّق ابن المعلمة أنه أصبح قدوة في المدرسة كما يصدق زملاؤه وتعمم القاعدة ويصبح التنافس على التميز في الاستثناء وليس على التحصيل في الدرجات, وهو ما يفسر اليوم السلوك العدواني للتلاميذ تجاه بعض أقرانهم وتجاه المجتمع بشكل أشمل وأعم, واليوم ونحن على أبواب عام دراسي جديد لا نرغب في العودة إلى الهروب من المعلم والسير على الرصيف الثاني ولكن من المهم إعادة وضع منظومة العلاقة بين التلميذ والأستاذ وفي المقابل الأستاذ والمدرسة بشكلها الصحيح بعيداً عن كل ما تقدم.

print