المتأمّل للمشهد بعناية يستطيع استخلاص أن المُستهدف من المؤامرة الأمريكية التي تم تنفيذها عبر أدوات بلحى كثّة ووجوه عابسة وعقول تكره الحياة، لم يكن السعي نحو شرذمة وتقسيم الأقطار العربية من داخلها على أسس طائفية ومذهبية وإثنية، فقط، وإنما كان، مضافاً لما سبق، تأسيس كيانات إرهابية، على الحدود الجغرافية بين الأقطار العربية وبعضها، تلعب دور أنهار النار، التي تحول، حتى، دون التواصل الجغرافي العادي، والنشاط التجاري الطبيعي، وحالات السفر التقليدية وكل ما يمكن أن يحدث بين بلدين وحكومتين في الظروف العادية.
بمعنى آخر فإن المؤامرة كانت تستهدف القضاء على فرص تواصل عربي-عربي، تقليدية تتأسس على مجرّد الجوار الجغرافي، وهي خطوة أعمق نحو استهداف أي وحدة أو تقارب ممكن أن يحدث بين الأقطار في الوطن العربي.. ضمن خطة «فرّق تسد» التقليدية.
يظل المشروع الوطني هو الإجابة عن كل الأسئلة المطروحة اليوم، ولا يزال هو المشروع الحضاري الذي يتمكن من لحم الناس مع بعضهم، على أسس من المواطنة السليمة، ومن دون تصنيفات مُسبقة، ضمن سبيكة واحدة، تسعى نحو النضال المشترك وتعزيز فرص الحياة الجمعيّة الأفضل.. ولأنه الإجابة السليمة فهو يتلقى السهام.
عندما سيطر تنظيم «داعش» الإرهابي على محافظة الأنبار، ولاسيما مناطقها الغربية، فهذا تُرجم عملياً في صورة قطع الصلات التجارية وعمليات السفر البري بين الأردن والعراق، وتعقّدت المسائل الحدودية، وتوقفت الصادرات النفطية في وقت مبكر من 2014، بسبب تدهور الحالة الأمنية والنشاط الإرهابي المتنامي، ومن الطبيعي أنّ تصدير مواد حساسّة كالنفط يحتاج إلى طريق آمن بشكل مضاعف، ولا أحد يجرؤ على المغامرة.. وهذا طبعاً أثر بالسلب في اقتصاد البلدين العربيين (في وقت قريب من 2017 تمت إعادة افتتاح معبر طريبيل)، لكننا نذهب هنا إلى أن المُستهدف لم يكن فقط إغراق البلدان في المشكلات الاقتصادية، وتعقيد أحوالها الماديّة، وإنما غرس بؤر من نار تقطع أي قدر من التواصل العربي/العربي، ولو في أبسط صوره كالتجارة أو السفر.
الموقف ذاته تكرر بين سورية والعراق، وعلى المساحة الأوسع من الحدود، حين أمسك الدواعش بدير الزور وشرق حمص من الجهة السورية، وبمحافظتي الأنبار ونينوى من الجهة العراقية، فكانت النتيجة مشابهة، وانعزل عرب دمشق عن عرب بغداد، وبدا أن سوراً ضخماً من الملابس السوداء الداعشية القروسطية يفصل بين هؤلاء وأولئك.. وتلك كانت الخطة.
لكن ما لم يتوقع، أو ما لم يكن مرصوداً بالقدر الكافي للغربيين، أن العراقيين لم يكتفوا بالسعي نحو تحرير بلدهم من هذه الهجمة الوهابية/أمريكية، بل فعلوا أكثر من ذلك بكثير ضد الدواعش.. فذاب (الحاجز الداعشي) وتحوّل إلى (جزيرة مُحاصرة) يحيط بها ماء المحيط العربي المسنود بحلفائه- من كل جهة، وبقي يسدد ضرباته حتى تهشمت (وكما موقف العراقيين كان موقف اللبنانيين، وعلى القاعدة ذاتها)، ولولا أن الرد على الحواجز الحدودية، كان تحطيمها والعبور وإدراك أن المصلحة واحدة وأن البادئ بهذا سيُثني حتماً بذاك، لما كانت المعركة انتهت بالنصر.
دماء الشهداء الساخنة لا تزال على أيادينا، والنصر لم يكن نزهة، والضريبة كانت ثقيلة، لكننا ربحنا (روحاً) جديدة، يمكننا أن نوسّع بها مساحة الحياة حولنا، وأن نولّد نصراً عملياً ومشروعاً حضارياً من البطولة العسكرية، لأن هذا ما يستحقه الشهداء، كما أن التجربة أثمرت (أو ثبتت) مسألة الوحدة والتقارب العربي، ودارت الدنيا وجاءت، حتى دفعت المصلحة المجرّدة نحو اختيارها، وتعزّزت بفعل العوامل المشتركة التي لطالما شرحها السابقون، كاللغة والتاريخ (بما فيه التراث الديني) والأرض والمصلحة وحتى القرابة العائلية المُترجمة في تقارب ملامح وسِحن، وكذلك (العدو المشترك).. وإلخ.
نعود لنقول: إن إنجازات الجيش العربي السوري وحلفائه التي أوصلته إلى دير الزور الاستراتيجية كانت أمراً شديد الأهمية، فهي من جهة هشّمت مخطط التقسيم إلى حد كبير، واستردت هذه المنطقة الغنية بآبار النفط والغاز والثروات المعدنية، إلى جانب أنها أحبطت المخطط الساعي لفصل العراق عن سورية، كذلك كان تقدّم القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي مرة في الأنبار وأخرى في شمال غرب نينوى يعني الشيء ذاته، وأنهم في اتجاههم لمصافحة أشقائهم السوريين، وهنا يمكن أن يُرفع علم النصر.. لذا كانت معركة تلعفر، شديدة الأهمية، بالنسبة للحشديين، لأنها بوابة توصّل نحو الإمساك بالحدود مع محافظة الحسكة السورية، وهي محافظة وضعها حسّاس بالنسبة لسورية والعراق بسبب إثني والاشتباك الأمريكي الخبيث على خطه.
يمكن أيضاً أن تلحظ صورة أخرى من صور هذا الجدار الداعشي، الذي كان يُراد له أن يؤسس بين العرب وبعضهم في جنوب حمص وريف دمشق وبدرجة أكبر في السويداء ودرعا، بين سورية والأردن، وهي طبعاً ليست بوضع المسألة العراقية-السورية، كذلك فسياقها مختلف، حيث ترتبط بالكيان الصهيوني الذي يطل بأنفه بالقرب من المشهد، كذلك قد يُستغل الوجود الإرهابي كذريعة لتدخلات خارجية استدمارية أمريكية بالتحالف مع دولة معروفة، كما طُرح في الماضي ولا يزال، لكن في النهاية، يبقى تكتّل المتطرفين في هذه المنطقة عامل فصل بين عرب سورية وعرب الأردن، وحائلاً دون تلاقيهم (بصرف النظر عن الموقف من سياسات السلطة الأردنية).
كان مشهد اللقاء الذي اختلطت فيه الدموع والبسمات بين إعلاميي محور المقاومة على الحدود السورية- اللبنانية، بعد تحرير الجرود (عرسال اللبنانية، والقلمون السورية)، يُتِرجم بالضبط ما نشير إليه، وهو أن الانتصار الحقيقي، أو على الأقل جزءاً معتبراً منه، كان في إعادة وصل العرب ببعضهم، على الأقل جغرافياً، وعدم السماح بتأسيس كيان صهيوني جديد، يقطع الجغرافيا العربية الممتدة، ويكرر مأساة عزل مصر ووراءها عرب أفريقيا عن الشام وشبه الجزيرة برياً (لولا «إيلات» التي هي أم الرشراش المحتلة، لكان العبور من وسط سيناء المصرية للعقبة الأردنية، ومنها إلى الجزيرة العربية، والعكس، من أبسط ما يكون، وهذا مثال بسيط للتوضيح.. ولولا «إسرائيل» كلها لكانت الشام في مصر، ومصر في الشام، ولما تعطّلت الوحدة، التي كان أحد أهم أسباب عدم استمرارها في عام 1961، بعد تثبيت وجود المؤامرة الاستعمارية الغربية بالتحالف مع الرجعيّة العربية والإقرار بالأخطاء، هو عدم الاتصال الجغرافي، وعدم انضمام فلسطين للوحدة، لوجود مهاجرين أسسوا كياناً محتلاً غريباً وبرعاية استعمارية يقطع الطريق).
إن الإنجاز العربي الحاصل اليوم في إحباط المؤامرة الغربية- الوهابية التي تمثّلت في تكتيل وتنظيم وتعويم وتسليح العناصر المهووسة في بعض مجتمعاتنا، والمحقونة بالكراهية والوصائية، ثم جلب المزيد من الإرهابيين الأجانب من مختلف أصقاع العالم إليهم، وشيطنة قوات الجيش والأمن في حال حاولت تحجيمهم والسيطرة على الوضع، ثم بث هذا التكتّل كالجراد يستبيح وينهش، يسانده «إعلاميون» و«معتدلون» من الخلف، يهمّشون الحديث عن المجازر أو يدينونها على استحياء، وبحسب المصلحة، لكنّهم بكل الحالات يمهّدون الأرضية لها عبر احتضان وبث الخطاب التكفيري والطائفي والماضوي والمنغلق والمتعصب، أو حتى عبر اختلاق فوارق ظاهرية بنيوية: بين «داعش» و«النصرة» و«جيش الإسلام» و«تحرير الشام» و«أنصار بيت المقدس» في سيناء و«أنصار الشريعة» و«كتائب راف الله السحاتي» في ليبيا و«بوكو حرام» في نيجيريا.. إلخ، والزعم بأن الإشكالية هي في الأولى منهم فقط أو فيمن أعلنوا ولاءهم لها.. والصحيح أنهم كلهم، في القتل والنظرية، دواعش فرّختهم الإخوانيّة والقطبية والحالة الأفغانيّة.. حتى لو مارسوا هواياتهم التكفيرية على بعض أو تقاتلوا فيما بينهم، كذلك جاءت المساندة عبر محاربة المشروع الوطني والحداثي والعقلاني.. نقول: إن الإنجاز العربي الحاصل في وجه ما سبق، وفي وجه ما كان مرسوماً على الخرائط بناء عليه، إنجاز ضخم، ولم ينل حتى الآن، ونأمل أن ينال في المستقبل، حقّه في الشرح والتوضيح، أنه بحجم ما كانت المؤامرة كبيرة كانت المقاومة أيضاً كبيرة والنصر عزيز.
كاتب من مصر

print