لو كان ملك بني سعود سلمان يعرف قبل سنوات من صدور قانون جاستا الأميركي، الذي منح، بإجماع الكونغرس، الحقّ للأميركيين في رفع قضايا للمطالبة بالتعويض المالي عن تورط مسؤولين سعوديين في تفجيرات نيويورك الإرهابية في 11 أيلول عام 2001، أنه سيصبح ملكاً ويواجه قانون جاستا لفضّل تأجيل ولايته التي بدأت في 23 كانون الثاني 2015، فهو لم يدرك أن موضوع هذا القانون الذي يسمح بمقاضاة السعودية لصلتها بدعم التفجيرات الإرهابية جرى عرضه على الهيئات الدستورية الأميركية في أيلول 2015 أي بعد ثمانية أشهر من تسلمه المُلك, كان مطمئناً أن واشنطن لن تسمح بفرضه ضد مملكته فشنّ حرباً على اليمن وقام بتصعيد الحرب الإرهابية ضد سورية وهدد ايران، وكأنه سيضمن أن مال السعودية سيظل وفيراً مهما كلفت حروبه ومهما استمر نهبه.
وفي النهاية جرى إقرار قانون جاستا وفرضت فاتورته على العائلة المالكة السعودية في 28 أيلول 2016 وظهرت حتى الآن قائمة بأسماء 6500 من الأميركيين الذين رفع المحامون الذين يمثلونهم قضايا بالتعويض المالي الذي قد يكلف المملكة أكثر من تريليون دولار بموجب تقديرات شركات المحاماة الأميركية التي تمثل عائلات ضحايا التفجيرات.
ويبدو أن سلمان اعتقد أنه إذا قدم هو وابنه محمد ولي العهد للرئيس الأميركي ترامب 500 مليار دولار فسوف يلغي ترامب القانون، وهذا ما لا يمكن أن يحدث في أغلب الاحتمالات، لأن هذا العدد الكبير من الأميركيين لن يقبل باستلام التعويضات الشخصية هذه إلا كما يحددها هو بالملايين أو عشرات أو مئات الملايين لكل فرد وبحسب مقياس وحجم الضرر وفداحة الجريمة.
وفي الوقت نفسه حاول الملك توظيف أكثر من 15 منظمة ضغط قانونية وسياسية أميركية وأخرى مختصة بالعلاقات العامة وقدم لها الأموال لكي تحاول العمل على إلغاء القانون أو تخفيض فاتورته عن طريق إجراء تعديل في نص صيغته القانونية، وبهذه العملية ستضطر المملكة إلى دفع أموال تبتزها منها هذه المنظمات من دون أي ضمانات تكفل لها النجاح في تحقيق رغبة الملك، وعندئذ يكون الملك قد دفع أموالاً طائلة من أموال الشعب لكل هذه الأطراف من دون جدوى ليعود ويجبر على دفع ما يقدر بتريليون دولار لن يقدر على تأمينه إلا إذا باع أو رهن أكبر شركة سعودية للنفط لكي يسدد ديوناً فرضها عليه حليفه التاريخي الأميركي، بعد أن وظف هذا الحليف المملكة وسخرها ضد مصالح الشعب السعودي وضد مصالح الأمة العربية في سورية ومصر والعراق ولبنان واليمن منذ عشرات السنين، لكن السؤال الذي يطرحه المنطق في هذا الاستحقاق السعودي هو: هل ستدفع العائلة المالكة التي دعمت منظمة «القاعدة» الإرهابية في الولايات المتحدة هذه التعويضات الضخمة من الأموال الشخصية المنهوبة المسجلة باسمها وقد تبلغ مئات المليارات من الدولارات؟ أم من ثروة الشعب النفطية؟ لا شك في أن الشعب السعودي هو الذي سيدفع ثمن تسديد هذه التعويضات لأن اقتصاد السعودية وقدرتها المالية على الإنفاق على الشعب ستتدهور بشكل حاد هذا إن لم تنعدم، وفي أغلب الاحتمالات لن تجد الإدارة الأميركية حلاً لهذه المضاعفات وما يمكن أن تحمله من نقمة شعبية على العائلة المالكة وحلفائها سوى تقسيم المملكة وتفتيتها على خلفيات قبلية وعشائرية إلى عدد من الإمارات على غرار دويلات الخليج الصغيرة وهذا ما يعتقده علماء التاريخ الأميركيين الذين يرون في السعودية أبرز بنية عشائرية قبلية لم تختف ولم تتطور إلى المرحلة القومية أو الوطنية منذ القرن الماضي، فهي في نظرهم أكثر دولة قابلة للتقسيم إلى إمارات قبلية منقسمة، ولاسيما أن العائلة المالكة رسخت هذا التقسيم القبلي منذ توليها الحكم وحافظت عليه، وعندئذ لن ينفع الندم السعودي على الدور الذي سخرت فيه العائلة المالكة نفسها وثروة الشعب من خلاله لخدمة المصالح الأميركية.

print