خلال الأيام التالية لانتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه من الحدود مع لبنان إلى البادية، حاول العدو الصهيوني والغرب «إغراق» تلك الانتصارات إعلامياً بإجراءات مستعجلة كان منها ادعاء ما يسمى لجنة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، من دون أي أدلة، «مسؤولية سورية في كيماوي خان شيخون»، والغارة الصهيونية على موقع في مصياف بريف حماة، والمناورات «الإسرائيلية» الضخمة التي «يحاكي فيها حرباً مع حزب الله»، والأهم، اختراع حرب جديدة بالوكالة في بورما يتم فيها التجييش الطائفي المسلم-البوذي ضد الصين من خلال سيل من الصور الملفقة والروايات المفبركة.
من القلمون الغربي إلى دير الزور، بات المسار التصاعدي لانتصارات الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة يكشف الكيان الصهيوني والمخططات الأمريكية في المنطقة استراتيجياً. فهنالك، من جهة، الانهيار المتسارع للقوى المناوئة للدولة العربية السورية بالرغم من كل صنوف الدعم الذي تلقته هذه القوى من أطراف إقليمية ودولية كبرى، وهنالك، من جهة أخرى، وقائع جغرافية-سياسية ذات أبعادٍ إقليمية باتت تشكلها تلك الانتصارات، فالقلمون الغربي هو الحدود السورية مع لبنان، ودير الزور ليست أكبر مدينة في شرق سورية فحسب، وتالياً مفتاح ذلك الشرق المجاور للعراق، بل تعني فيما تعنيه أيضاً الحدود السورية-العراقية، فإذا أخذنا الحدودين، اللبنانية والعراقية، مع سورية، فإن تأمينهما معاً يعني ممراً متصلاً من بغداد إلى بيروت، وأبعد من ذلك، يعني شريطاً حاجزاً لتمدد النفوذ العثماني شمالاً، وخطاً برياً مباشراً بين طهران وطرطوس، وما بين نهاوند والنبطية، وذلك هو بالضبط، ما يقض مضاجع صناع القرار في الكيان الصهيوني، ويدفعهم لمحاولة خلط الأوراق، وهو ما سنعود له بعد قليل.
الولايات المتحدة الأمريكية، من جهتها، باتت تدرك جيداً أنها خسرت معركة «تغيير النظام» في سورية، باعتراف السفير الأمريكي السابق في سورية روبرت فورد، لا بل تدرك أنها خسرت معركة فرض حل سياسي على مقاسها في سورية، من هنا تسليم غرفة «الموك» في الأردن بالأمر الواقع ومطالبتها العصابات المسلحة في البادية الجنوبية أن تلقي السلاح وتتراجع إلى الأردن، بحسب الرسالة التي سربت مقاطع منها وسائل إعلام أردنية قبل يومين نقلاً عن «الموك» إلى تلك العصابات: «خسرتم مناطق كثيرة وبشكل يومي ما زلتم تخسرون، ويستطيع (النظام) أن يقطع طريق إمدادنا إليكم خلال يوم واحد من القتال العنيف»!
لكن ذلك لا يعني بتاتاً كف اليد الأمريكية عن سورية في سباقٍ محمومٍ مع الزمن لاحتواء الآثار الجغرافية- السياسية لإنجازات سورية وحلفائها، وهنا يجب أن نلاحظ أمرين اثنين شرق سورية، أولهما تمدد «التحالف الدولي» وأدواته على الأرض باتجاه ريف دير الزور الشمالي، بعد سيطرته على المدينة الصناعية التي تبعد 12 كيلومتراً عن الأطراف الشمالية لدير الزور، في محاولة «لقطع الطريق» على تقدم الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة باتجاه الجزيرة.
من هنا تأتي أهمية الخطوة التي قام بها الجيش لإغلاق الباب على أي حركة التفافية قد تعوقه عن التقدم شرقاً وجنوباً، وهي حركة يخدم فيها «التحالف الدولي» وأدواته «داعش» فعلياً مخففاً عنه الضغط في الدير وريفه، بالرغم من أن التحالف كان قد أعلن، عبر المتحدث باسمه ريان ديلون قبل شهرين، عن أن البدء بمعركة دير الزور رهن بنهاية معركة الرقة، وهي معركة لم تنته بعد طبعاً، رغم مرور أشهر عدة على بدئها، لكن العمل الحاسم للجيش وحلفائه بفك الحصار عن دير الزور ومطارها جعل من السيطرة الأمريكية على شرق الشرق السوري أولوية استراتيجية ملحة لواشنطن، ومن هنا تحركه المذعور باتجاه دير الزور، لا ضد «داعش» بل في محاولة يائسة «لاحتواء» تقدم الجيش.
محاولة الاحتواء الأمريكية لا تنتهي هنا طبعاً، فإلى الشرق من سورية، على الجهة العراقية، ثانياً، ثمة حديث عن رغبة أمريكية بتوسيع قاعدتي الحبانية وعين الأسد وبناء قاعدة إضافية في صحراء الأنبار، ومن هنا الاستعداد الأمريكي المتزايد للانخراط في (المعركة ضد «داعش») في مدن غرب الأنبار في سياق الحديث عن «تأمين الحدود السورية- العراقية»، فيما الهدف في الواقع قطع تواصل محور المقاومة عبر جانبي تلك الحدود، ولا يمكن فصل حملة التحريض على حزب الله وعلى اتفاق نقل «الدواعش» من عرسال عن مشروع فصل العراق عن محور المقاومة، فالفصل يتم بالسياسة كما يتم في الميدان، وإذا كان «الحشد الشعبي» والجيش العراقي قد التقيا مع الجيش العربي السوري وحلفائه على جهتي الحدود من قبلُ، مفشلين ما حاول «التحالف الدولي» أن يرسمه انطلاقاً من التنف جنوب البادية، فإن الأمريكان عادوا لمحاولة قطع ما تم وصله انطلاقاً من شمال شرق سورية من جهة، ومن داخل العراق من جهةٍ أخرى.
من هنا أيضاً نفهم التشدد اللاعقلاني والمنفصل عن الواقع لبعض الشخصيات اللبنانية إزاء تطورات الموقف في سورية في اللحظة التي تتوالى فيها التصريحات والمواقف الغربية المعترفة بالفشل علناً في سورية.
في المقابل، ثُبتت وحدة محور المقاومة على صفحتي القلمون الشرقية والغربية بالتناغم الميداني ما بين الجيشين السوري واللبناني، وما بين الجيشين والمقاومة، كما ثبتت من خلال الدعم الشعبي اللبناني واسع النطاق لمعركة اجتثاث «داعش» من جرود القاع ورأس بعلبك والقلمون.
يتكشف المشهد الاستراتيجي إذاً عن حالة تقهقر ستنتج بالضرورة عن نجاح الدولة السورية في إعادة تأكيد سيطرتها على كامل أراضيها بصورة لا يستطيع الكيان الصهيوني تحديداً أن يقف إزاءها مكتوف اليدين، ولاسيما بعد فشل مشروعه الذريع في «قلب النظام وتفكيك سورية»، وتكسر أدواته الواحدة تلو الأخرى على صخرة الجيش العربي السوري وحلفائه، فصار عنوان معركته التالية في سورية هو ما يسميه «إخراج إيران وحزب الله من سورية» واللعب على مثل ذلك الوتر، والمقصود طبعاً هو محاولة «إخراج سورية من محور المقاومة»، فإذا تعذر ذلك بالسياسة والضغط الدولي، دخل على خط الاستفزاز الميداني لتخفيف الضغط عن «داعش» وأخواتها، في محاولة لحرف مسار القتال باتجاه مواجهة معه يعتقد أنه سيمتلك اليد العليا فيها خصوصاً من ناحية سلاح الجو، وهو يوهم نفسه بأنها ستنتهي عند حدود تلك المواجهة الجوية، متناسياً ترسانة الصواريخ التي ستنهمر عليه بالآلاف لتدكه دكاً، فيما تعزف أصوات إطلاقاتها وانفجاراتها النوتة الأخيرة في لحنه الجنائزي، وسيكون دماراً لم تعرف له المنطقة مثيلاً على الجهتين، وهو لن ينهي سورية أو لبنان، لكنْ من المؤكد أنه سوف ينهي الكيان الصهيوني، وهي اللحظة التي يستشعر العدو أنها اقتربت مع كل خطوة يخطوها حماة الديار ورجال المقاومة الحقيقية في البادية أو القلمون أو غيرها، لأن هزيمة المشروع الصهيوني ميدانياً في سورية تحشره في الزاوية سياسياً وتدق مسماراً جديداً في نعشه، ولذلك يحاول يائساً تعقيم آثارها.
كاتب من الأردن

print