نشوء الظاهرة الفنّية، بما يتضمّن نحت التماثيل، وإقامة النصب العملاقة، إلا على سبيل طرح الاحتمالات التي يتمتّع بعضها على بعضها بأرجحية أتاحها عصرنا، بما يملك من وسائل استعراف لم تكن متاحة للبشر من قبل. بعض المعروف أن ثقافات بشرية كثيرة لجأت إلى منْح التماثيل والنصب التي صنعها الإنسان قداسة ما، وشحْنها بحمولات دينية عديدة، مثلما كان الأمر عليه في بعض مناطق الجزيرة العربية قبل الإسلام، وما طرحه تاريخ الفن، والنقد الفني، والتاريخ غير السياسي من فرضيات شتى يستطيع تفسير بعض الظاهرة، وهي تفسيرات لا تجانب الصواب عموماً، لكنها عاجزة عن اشتماله.
ومن تلك الفرضيات التي تسهم في تفسير إقدام الإنسان على إجلال ما يصنعه الإنسان بأيديه إلى ما يقارب العبادة، في ظل وعيه الحاسم بأنّ تمثاله المبجّل المعبود هو من صناعة يديه، فرضية ذات شطرين: تمثل الأوّل في أنّ قداسة التمثال لا تكمن في مادّته ومظهره المرئي، بل تكمن في ما يحيل إليه من دلالات عديدة كانت محطّ تقدير وإجلال. وتمثل الثاني في قدرة التمثال ذي الصناعة المتقنة، والحجم الفراغي المناسب، بمعنى بلوغه درجة غير مألوفة من الضخامة، على استقطاب انتباه الإنسان، والاستحواذ على مشاعره، وإحداث الإدهاش البصري الذي يتجاوز حدود الإعجاب والاندهاش إلى إحداث نوع من أنواع الاستلاب البصري، الذي يتحوّل تدريجياً إلى استلاب ذهني، يقع فيه المستلَب فريسة التهيّب، ومبالغات الإجلال.
نحن اليوم، نجد أنفسنا مأخوذين إلى حدود قصوى بالأعمال الفنية المدهشة في مختلف ميادين الفن، نتأمّلها بإعجاب مناسب، محاولين استجلاء السرّ الذي جعلها أعمالاً متّصفة بالإعجاز. لقد وجد أبو العلاء المعري شعر المتنبّي إعجازاً، فأطلق على ديوان المتنبي تسمية (معجز أحمد) خلال تصدّيه لشرح ذلك الديوان، و(أحمد) هو اسم المتنبي، فإذا كان هذا هو موقف إنسان اليوم (الواعي) من الفنون الكلامية، فكيف الأمر مع إنسان الماضي السحيق من تلك التماثيل العملاقة التي يفرض حجمُها، والهيبة المشعّة منها على المتأمّل ما يشبه الاستسلام خشوعاً وتهيّباً وإجلالاً.
فرّق المسلمون الأوائل (من الصحابة والتابعين) ممّن فتحوا بلاد الشام والعراق ومصر، بين التماثيل التي كانت معدّة للعبادة بوصفها أصناماً في جزيرة العرب، وبين تلك التي عثروا عليها بوفرة كبيرة في أقاليم الفتح، إذ عُدت في حينها مجرد تماثيل للتزيين، وتمجيد بعض الشخصيات، ولذلك تركوا معظمها وشأنه، انطلاقاً من الموقف الذاهب إلى أن العامل الحاسم في التفريق بين الصنم والتمثال قائم في القصد القائم وراء عملية إنشاء التمثال، وإقامة النصب، فما أقيم من أجل العبادة والتقديس كان صنماً، وما أقيم بقصد التزيين والمتعة الجمالية، كان أمراً آخر، وقد لجأ معماريو العصر الأموي إلى استعمال التماثيل في تزيين قصور أمراء بني أمية وأثريائهم، وقام الفنانون بتزيين بعض واجهات القصور بمختلف المنحوتات النافرة، بما في ذلك منحوتات تمثّل نساء ورجالاً عراة.
واليوم، تشهد سورية نشاطاً متعاظماً بخصوص إثراء مدننا، وبلداتنا القاحلة جمالياً، وشحنها بالنشاط الجمالي، وكانت ملتقيات النحت المباشر أمام جمهور، أو من غير جمهور، من تمظهرات هذا التوجّه الهادف إلى تخصيب حياتنا السورية القاحلة بما يمكن إنجازه من تماثيل حجرية (غالباً)، وأفترض أن الجهات الراعية لمعظم الملتقيات جديرة بالامتنان الجمعي على الرغم من وجود وفرة من الملاحظات والمعوّقات التي جعلت بعض الملتقيات التي حدثت مؤخّراً مجرّد تقليد مبتذل لملتقيات ناجحة، منحت البلد كثيراً من الأعمال الفنية النحتية الرائعة، خلافاً لما حدث لاحقاً من تزاحمٍ على إقامة الملتقيات لمجرّد التبجّح بإقامتها، بالتوازي مع تزاحم قليلي الخبرة وقليلي الموهبة على حشر أنفسهم في معمعة الإبداع الأصيل، واستغلال الملتقيات طريقاً ميسورة لجعل أعمالهم (الهابطة) تقتحم المشهد الذي نخشى أن يصير مشهداً ملوّثاً بتراكمات الرداءة.

print