تواجه الزراعة تحديات كبيرة، ولاسيما بعد خروج أهم المساحات والحيازات الزراعية الكبيرة من الاستثمار قسراً بفعل الإرهاب، تلك التي تزرع بأهم المحاصيل الاستراتيجية التي تراجعت إلى الحدود الدنيا دفعت الحاجة إليها إلى الاستيراد بعد أن كانت تحقق اكتفاء ذاتياً منها ووفراً للتصدير، وبما يساهم في رفد خزينة الدولة بالقطع الأجنبي، وإن وجدت الأراضي للزراعة في أماكن أخرى أكثر أمناً فإن للمزارعين والفلاحين المفطورين على الزراعة مصاعب قد تكون ناجمة عن تداعيات الحرب والحصار الاقتصادي كارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من بذار ومبيدات وأجور عمالة ونقل وتوضيب، ما أتاح المجال لبدائل ضارة منها في السوق السوداء، واستفحال ظاهرة تهريبها بغضّ النظر عن جودتها ومدى فعاليتها. أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار الأسمدة أضعافاً مضاعفة، والبدائل منها ليست بأفضل حال، ما ينعكس سلباً على وحدة الإنتاج وتردي المردودية بشكل كبير.
ومع ذلك فإن فطرة الفلاح السوري دفعته للحفاظ على الزراعة، وحقق رغم الظروف القاهرة ونقص المحروقات فوائض إنتاجية تشهد عليها الأسواق رغم وقوعه في مصائد التسويق واختناقاته ما دفع بالكثير من الفلاحين لترك المحصول في الأرض وتفويته من الاستثمار لما يترتب عليه من خسائر يعجز، أمام العديد من المعوقات وتراجع الدعم، عن مواجهتها، وقد تدفع به للعزوف عن الزراعة كما حصل مع مزارعي الشوندر السكري، ما دفع المعنيين ووزارة الزراعة إلى إخراجه من الخطة الإنتاجية الزراعية ولو مؤقتاً ريثما تتوافر المساحات الآمنة لزراعته.
لسان حال الفلاح اليوم يقول: لم يعد مقبولاً أن نرمي بالتهم وتحميل الأزمة كل المصاعب التي تواجهه أمام اتساع مساحات الأمان، وبات حرياً بالقائمين على الزراعة رمي تداعيات الأزمة وراء الظهر وإيجاد الخطط البديلة والوسائل الكفيلة بمساعدة الفلاحين على الاستمرار من خلال إيجاد أسواق تصريف وتأمين مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب، ولاسيما الأسمدة والمحروقات كي لا يفوت على الفلاح موعد استثمار الأرض بالمحصول المناسب، ودعم وتشجيع الزراعات الطبية ونباتات الزينة لأن زراعتها تنسجم مع الحيازات الصغيرة من الأرض ولا تحتاج جهداً كبيراً، إضافة إلى أنها تتمتع بقدرة تنافسية عالية في الأسواق التصديرية، ولاسيما إلى دول أمريكا اللاتينية، حيث يمكنها استجرار كميات كبيرة من محاصيل الكمون وحبة البركة واليانسون والشوفان وغيرها، وبما يساهم في دعم الاقتصاد ورفد الخزينة بالقطع اللازم، فزراعة نباتات الدواء هي الدواء، وبما لا يجعل مزارعي البندورة يعزفون عن زراعتها أمام الخسارات الكبيرة التي واجهتهم في الموسم الحالي.

print