التقينا بعد سنوات فرقة، لكن اللّقاءات نفسها التي جمعَتْنا في مؤتمر.. في محاضرة.. في مهرجان.. في أمسية! نتبادل التحيّة بمودّة تعْبُر كتاباته الأدبيّة والصّحفيّة التي خزّنَتْها ذاكرتي، وأوجبَتْها مجاملة «النُّخبة»!.
حين دخل إلى قاعة الاجتماع، متأخِّراً عشرين دقيقة، شخَصَت إليه العيون، وصمَتَ المتحدِّث، ينتظر تحيَّتَه واعتذاره، لكنّه أهدانا ابتسامةً شحيحة ونقّلَ نظراته بين الجلوس أنْ انهضوا لأختار كرسيَّ أحدكم! وخَطْفاً، تذكّرتُ سلسلةَ مشاهد كان هو بطلَها: يحكي من دون أن ينظرَ قطُّ في عين محدّثِه! في مؤتمراتنا التي تناقش قضايا عامّة، كان يمسك المايكروفون وعيناه على مصابيح السّقف ليسرد تاريخه واكتشافاته الفكرية التي لم تنل التّكريم اللّائق وكشوفاته الصّوفيّة النّابذة للزّمن الفجّ الذي وُلد فيه! شكوى صحفيّةٍ صديقة من تسفيهه كلَّ كلمة استخدَمتْها في الحوار وعجزها عن ملامسة أيّ نقطة حارّة في شخصيّته القلقة الجافّة!.
استُؤنفَت الجلسة وذهني غائب تماماً عمّا يُقال لأنّ الأديب الكبير كان قد جلس على كرسيٍّ مضاف في صدر القاعة بملابسه المفارِقة للمألوف، وقد وضع حقيبةَ يده على الأرض بعد أن تفحّص البلاط جيّداً واطمأنّ إلى لمعانه وبدأ يبحث عن وضعيّةٍ مناسبة ليديه قبل أن يطلق العنان للدُّروس التي استقاها من الحرب وأوّلُها أن الثّقافة دُمِّرَت ولم تعد ببال ذوي الأمر، وأنّه، منذ ستّ سنوات، يراجع تاريخه الشّخصيّ الذي أنجز فيه ما لم ينجزْه جيلٌ كامل في دول متقدِّمة، تقدّس رموزَها وتذهب إليهم بنفسها حتى لا يغيبوا في عزلتهم وصمتهم، بينما لم يلحظ أحدٌ غيابه الطّوعيّ في زمن لعلعة الرّصاص وصبيب القذائف!
اشتدّ حضور «نرسيس» في غضبي المكبوت فسألتُه بنعومة: لماذا لم تغادر البلد مع من غادروا؟ تحرّك الكرسيُّ كأنّه تلقّى هزّةً أرضيّة من تحته، لا من فوقه، وطفق يذكّرني بأعماله الجليلة التي هزّت مشاعر الملايين، فأقفلت على نفسي ثانية متّكئةً على توصيف النّرجسيّة: أنتَ نموذج لعشق الذّات، يستفزُّك التّجاهل ويحنقك النّقد، وتتوقّع دائماً وأبداً معاملةً تفضيليّة لأنّك خبير بكلّ شيء.. والصّديقة التي شكَتْ من عجزها عن لمس نقطة حارّة في شخصيتك، إنّما أكّدت لي أنّ الغطرسة التي تستحوذ عليك جعلتْكَ أعجزَ النّاس عن الحبّ والتّعاطف (كيف تحبّ وأنت لا ترى في الكون إلا نفسك الفريدة؟)!.
كانت الشّاشة الصّامتة في زاوية القاعة تبثّ صور حامية مطار دير الزور لحظةَ وصول طلائع الجيش حين سأل: هل تسمعين يا زميلة ؟ قلت: لا! سأرفع الصّوت لأسمع! وتدفّق في عتمة القاعة والأثير ودمي شلالات تناوبت فيها وجوهٌ نفض عنها الفرح أكداس الغبار و تقلّصات الانتظار المُرّ وأيدٍ تنقل السّلاح بغبطة كي يعانق صاحبُها الرّفاق والدَّم يتدفّق من قلب إلى قلب، ومن وريدٍ إلى وريد وكلُّ الأوسمة والتّيجان والألقاب والأرائك والجوائز كانت تطلع من تحت الأقدام التي لبثت سنوات في أرض النّار والجمار تكتب النّصوص من نثار النّجوم التي طال سهرُها مع السّاهرين على مفاتيح المدينة الطّالعة من ينابيع الفرات، وحين بدأ الضّابط الجريح، الذي لم يغادر الميدان، يتحدّث من سيّارته رحتُ أصغي إليه بجماع روحي، بل سمعت معه ذلك الشّاب، يعتذر لخطيبته أنّه أخلف وعده لها، كان ظهري لنرسيس ووجهي لأعظم الرّجال، يكتبون الملحمة العظيمة التي ستطيح بكل نصوص الكتّاب وحبرهم وأوهامهم..

print