ربما الكثيرون لا يعرفون أن الشاعر الكبير بدوي الجبل هو نفسه السياسي الكبير الأستاذ محمد سليمان الأحمد الذي كان أحد أركان البرلمان السوري عدة مرات، وشغل منصب وزير أيضاً لعدة مرات،.. بدوي الجبل الذي أسكر بإبداعه الألباب ليس لأن الديباجة التي نسج عليها بنيان قصائده هي تلك الديباجة الذهبية التي نسج على منوالها كبراء الشعراء الأوائل، بل لأن شعريته ضاربة بجذورها فيما لا يخضع إلى المسافة وإنما إلى الأبعاد، وإلى الاغتراف مما هو مستقبل أكثر من الاغتراف مما هو ماض، فقصائده جاءت تأسيساً وإعلاناً عن لغة تتجدد ومعنى يتجلى بقدر ما يحتجب، وحملت في متنها رؤية تستقطب في متاهاتها تناسل اللغة والذاكرة والهاجس، ومع أن قلمه كان يغترف من أحداث الحياة الواقعية، إلا أنه كان يلبس الحدث معاني إنسانية كونية ممتلئة بالتأملات الفلسفية الكبرى ذات الصبغة الصوفية المضيئة بالفكر المستنير، فالبدوي عبر خياله الدينامي يصوغ الوجود والمجرى الأنطولوجي للذات بالشعر في قوالب جمالية تتعالق فيها اللحظتان الشعرية والميتافيزيقية تعالقاً أنطولوجياً وإن كان مسارهما الزماني مختلفاً، حيث تحدد قصائده بُعْدَهَا الزماني في تعارض مع الزمان الواقعي وتنسج انسيابها في زمان إنساني جديد.. ومن يحاول التأمل في مجمل إنتاجه سوف يكتشف أنه قد شكل في شعره سياقاً رؤيوياً أشبه بحركة حلم يتوق إلى أوج الوجود بأعلى درجات الكمال، ولأجل هذا كانت القصيدة عنده وجوداً يكنز دلالات شتى تضفرها دلالة كلامية في حضارة المعنى عبر تقنيات تخييلية وجمالية تستطيع بها الذات الانفلات والانزياح خارج المعرفة الرتيبة.. وهو في مجمل شعره نظر إلى الكائن الإنساني، أيّاً كان لونه أو جنسه أو عقيدته، نظرة عابقة بالصوفية التي هي في العمق رؤية وجدانية للكون والكائن من الزاوية الروحية، ولذلك جاء إنتاجه الشعري بشكل عام ضمن إطار باذخ السلاسة والعذوبة بشساعة جماليات متناغمة ومتوالدة يفرض على المتوغل فيه استكناهَ بنياته اللغوية والدلالية والإيقاعية والفكرية والاجتماعية والنفسية، وعزل كل بنية وتحليل عناصرها وعلاماتها ونُواها الدلالية وعلاقاتها السياقية والنصية ومستوياتها، ثم تركيب هذه البنية بتجميع عناصرها في منظومة كلية تفصح عن علاقتها بالنسق الأكبر العام، فمتنه الشعري بمنجزه الجمالي والتخييلي والرؤيوي يبدو وكأنه قطعة موسيقية كبيرة تشترك في تكوينها مختلف الآلات الموسيقية التي تخلق كلها عند العزف ألواناً من الأنغام والإيقاعات التي يسودها التوافق والانسجام، فتؤثر في النفس وتسمو بها إلى مقامات الإشراق وترقصها أكثر مما يرقصها العزف على آلة واحدة.. فالبدوي كتب شعره بوعي كامل الحضور، وجداناً ولغةً وفكرةً، وبهذا الوعي الشديد التركيز والبالغ الخصوبة أنجز مفهوماً جديداً للشعر من خلال اللعب الموغل في التميز والخصوصية على أرض اللغة بمكوناتها الطبيعية الأولى غير المحروثة، حيث أخضعها لعجينة شعرية شديدة اللدانة والمرونة والتماسك ينفتح فيها عقل اللغة التخييلي والإيقاعي والمجازي على إمكانات وقيم وظلال وطيات وتخوم تتضاعف فيها الطاقات السيميائية والتشكيلية للدوال وتتمظهر في سياق التكوين الشعري وكأنها لغة لم ينطق بها سواه، ما جعل محبيه ورواد ديوانه يتلقفون قصائده بكل حواسهم وبكل مداركهم ومعارفهم في محراب يسوده الصمت الخالق بأطياف أفكار هائمة تدور في فلك جمال الوجود منتشية بما أضاء لها قلمه وفكره النيّر من بهاء التميز في الإبداع.

print