تحرير دير الزور من «داعش» يفتح الطريق للمراحل النهائية لاستعادة الدولة كامل التراب السوري إلى كنفها، كما يوفر فرصة لمراجعة كل ما جرى في سورية بدءاً من عام 2011، ولاسيما أن الوقائع هي الإجابة غير القابلة لأي تشكيك.
وإن كان تحرير حلب شكّل المفصل الحاسم في الحرب الدائرة ضد سورية، فإن تحرير دير الزور يفتح الطريق للانتصار الشامل على التنظيمات الإرهابية، وكلاهما – انتصارا حلب ودير الزور – يشكلان ذروة انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه على الإرهاب، والذي تحقق في بابا عمرو، وفي القصير، وفي تدمر، وفي ريف حماة، وفي ريف الرقة، وفي الجنوب، وفي القلمون، وفي الغوطة… وكل هذه المعارك ليست إلا جزءاً من معركة الدولة السورية ضد الإرهاب، حتى التطهير الكامل للتراب السوري من دنسه وتحقيق سيادة الدولة الكاملة على كامل الأرض السورية.
ورغم التقدم الكبير لقوى الدولة، من الجيش العربي السوري، والمؤسسات، والدعم الشعبي مع دعم الحلفاء مازالت «معارضة» الرياض وأمثالها تهذي بالمطالبة بـ«إسقاط» الدولة، وكأن السياسة مجرد أوهام يحلم بها السياسي على الشاشات، ورغم المعاناة والتضحيات التي تحمّلها ويتحملها الشعب السوري نتيجة الحرب مازالت «معارضة» الرياض ومثيلاتها تصرّ وتتمسك بتنفيذ مخططات مَنْ تآمر على سورية، ومازالت أيضاً هذه «المعارضة» تتوهم بأنها «قادرة» على «إسقاط» الدولة، و«الاستيلاء على الحكم»، تحت يافطة ما تسميه (الثورة)، والتي تغطي انخراط هذه «المعارضة» في عملية جلبت الإرهاب إلى سورية وشعبها، وتسببت بالدمار والقتل والخراب، ورغم هزيمة الإرهاب والمؤامرة، ونزع اليافطات المزيفة عما يسمى (الثورة) مازالت هذه «المعارضة» تهذي بـ«مطالب» تتجاهل ميزان القوى، وتتعامى عن استعادة الدولة سيادتها وفاعليتها، وتتغاضى عن حقائق الميدان، بما يمكن أن يوصف بممارسة السياسة بالتوهم، وبالرغبات المريضة، ألم يقلها دي مستورا صراحة لـ«المعارضة» (لقد هزمتِ –أنتم الآن مهزومون- فكّروا بواقعية، الدولة انتصرت، وعليكم التعامل مع هذه الحقيقة)؟ ثم ألم يوجّه رئيس منصة موسكو رسالة مفتوحة لجميع قوى «المعارضة» يطالبهم فيها بالإقلاع عن العقلية «الثورجية»، أي المريضة بادعاء «الثورية».. فهل تستمر هذه (المعارضة) في اكتئابها السياسي الناتج عن خيبتها وسقوط أوهامها؟ وهل تستمر هذه «المعارضة» في هذيانها الاكتئابي حتى تصل إلى الفصام السياسي الذي يشكل عتبة الانتحار الوطني؟!
إن الشعب السوري بكل أطيافه لم يعد يطيق المعاناة، ولم يعد يحتمل الممارسات التي تديم معاناته، ومنذ بدء الحرب على سورية، وبفطرته الوطنية الحضارية انحاز الشعب ضد الإرهاب، وضد تدمير البيت، واستطاع الشعب العربي السوري أن يميز بعبقرية بين الإصلاح وتدمير البيت بذريعة الإصلاح، لذلك وقف الشعب مع الدولة وتمسّك بعفوية تاريخية بالرؤية الوطنية التي تحارب الإرهاب بيد وتنجز الإصلاح وإعادة الإعمار باليد الأخرى، وما اندفاع هذه الكتلة الشعبية إلى معرض دمشق الدولي إلا تعبير عن توق السوريين للانخراط بالحياة الآمنة الفَرِحة المستقرة، النشطة، المبدعة في الفن والاجتماع والاقتصاد والعمران، وبالفعل أثبت الشعب أنه قادر على الإبداع في كل هذه المستويات فتفوق على نفسه وعلى أوهام «المعارضين»، واندفع ليعلن أنه مع الانتصار على الإرهاب، يريد الانتصار في تحقيق الحياة الحضارية النشطة بكل مجالاتها ومستوياتها، لذلك ليس غريباً أن تبقى سورية أقدم وطن مأهول بالحضارة وأعرق وطن للخير والنفع الإنساني.. هذا الشعب يعرف معنى الانتصار والحياة ولم يعد يقبل تشويه أولوياته بمطالب تهذي بأوهام سياسية.. أولوية الشعب الإبقاء على سورية وطناً للجميع وبناء الدولة العادلة الجامعة ونسج الهوية الوطنية الحضارية للسوريين بحيث يكون التعدد مصدر غنى والحضارة والعروبة اللحمة الموحدة..
أولوية السوريين وطن قوي ودولة قادرة وهوية وطنية حضارية مبدعة، أما من يرى أن بقاء القوات الأميركية في سورية (ضرورة)، ومن يرى أن «إسقاط» الدولة هو الهدف فهو يعمل عكس أولويات الشعب السوري بل يخون هذه الأولويات.
إن الذاكرة التاريخية المتفحصة للشعب السوري تراجع اليوم كل ما حصل من بدء الأحداث في عام 2011 إلى تحرير دير الزور، وترى هذه الذاكرة الوطنية الحضارية أن كل ما جرى لم يكن هدفه تحقيق تطلعات الشعب أو الديمقراطية أو، أو… بل كان هدفه «إسقاط» الدولة السورية لتفتيتها وبعثرة الشعب السوري، وجرى عبر الإعلام إشعال الأحقاد الطائفية واستغلال قوة المال، وجرى أيضاً عبر كل ذلك تضليل بعض الفئات وتم (استخدام طاقة الشعوب في تحقيق مصالح أمريكية – غربية – إسرائيلية) كما قال أوباما في عام 2011، لكن الشعب السوري والدولة والجيش والقوى الحليفة كسروا المؤامرة وهزموا وسائلها الإرهابية ويستكملون تحرير كامل التراب الوطني.. فهل تعود «المعارضة» إلى رشدها الوطني وتجعل من نشاطها شحنة في خدمة الارتقاء بالدولة، الأكثر عدالة وديمقراطية ومدنية وقوة؟ هل تعود «المعارضة» إلى رشدها، أم إن الفصام الاكتئابي السياسي مستحكم فيها؟

print