لو قمنا بعملية إحصاء لمجموع الدراسات والكتب والمقالات والأبحاث التي تمت كتابتها عن التصوف لوجدناها صعبة جداً على الحصر، وبالرغم من كثافتها وكثرتها فإن الكل متفق على صعوبة تحديد سمات عامة للتصوف يمكن أن تشكل أساساً منهجياً لدراسة أكاديمية مقوننة ومؤطرة بقواعد ثابتة، غير أنني، وبعد الكثير من البحث في هذا المجال، وجدت أن البعض قد ذكر مجموعة عناصر ممكن أن تشكل بؤرة أولية لتعيين طبيعة الوعي الصوفي وهي: إدراك الحقيقة النهائية، بلوغ الكمال عن طريق التطهر الذهني والانفعالي، والتطهر من الرغبات، وضعية السكون والوعي الكلي المفارق، الشعور بالتحرر من الشروط الزمانية المكانية، اتساع حيز الوعي والعفوية من خلال الضبط الذاتي، ويمكن أن تقترن مع هذه العناصر تقنية خاصة للتأمل، ومشاعر البهجة والغبطة، والأفكار عن طبيعة الأنا والعالم والحقيقة النهائية، والتطابق مع المبدأ الكلي أو الانعزال التام عن أي نشاط،.. وقد ميز «أوتو» بين اثنين من مسالك الصوفية، تصوف قائم على الإبصار الداخلي والانغماس في الذات، وتصوف قائم على إبصار الوحدة، ويتسم المسلك الأول بطابع الاشمئزاز والنفور من كل ما هو خارجي، والانصراف إلى أعماق النفس الخاصة، وما يميز تصوف هذا النوع هو الانغماس أو الاستغراق في الذات من أجل الوصول إلى الإشراق في الباطن والاهتداء إلى اللانهائي، أو إلى الله أو إلى البراهمان.. والمسلك الآخر يطلق عليه «أوتو» إبصار الوحدة؛ وهنا لا تعود أشياء العالم وسيروراته عديدة منقسمة، إنما بكيفية ما هي كل كامل موحد، فالواحد مع الواحد والكل مع الكل متطابق، عندئذ يصيب الأشياء تغير فتصبح شفافة ومشرقة ومرئية، والتطابق لا يحدث بين الأشياء فحسب بل يتطابق المتأمِل مع المتأمَل، بيد أن هذا التطابق يختلف عنه في المسلك الأول، مادام الحديث لا يدور بعد عن النفس واتحادها مع الحقيقة العلوية، وعندما يوصَّف المسلك الثاني فإن واسطة العقد هنا هي كلمة الوحدة، فليست النفس أو باطن الإنسان، أو الله، وليست الحياة أو الوجود، إنما الوحدة.. ويميز زاينر بين عدد من أنواع التصوف، منها: التصوف الكلياني الذي هو تجربة الوحدة الصوفية مع الطبيعة والكون؛ فالصوفي في هذا النوع من التجربة يدرك الطبيعة بأسرها كشيء كائن في روحه أو على العكس يدرك نفسه منحلاً في الطبيعة، ومتى ما تجاوز المكان والزمان يظهر له العالم في جمالٍ عصيٍّ على الوصف فتؤوب النفس الفردية إلى براءتها البدئية.. والتصوف الواحدي الذي هو تجربة الوحدة اللامتمايزة، التي يتم فيها تجاوز المكان والزمان، والشيء المهم الذي يميزها عن التجربة الصوفية الكليانية هو تلاشي كل تحديد لأي شيء كان.. والتصوف التأليهي الذي يعني انغماس الروح في جوهر الله، فتتلاشى في هذا الانغماس بالكامل، أو هكذا يبدو للصوفي، الشخصية الفردية والعالم الموضوعي برمته، فما يحدث أو ما قد حدث للصوفي المؤلِّه في التجربة يفهمه نتيجة فعل الله الذي يحبونه بعطف خاص.
وفي الختام لا بد لي من التنويه بأنني ومن خلال دراساتي الكثيرة وجدت أن لكل متصوف تجربته الخاصة، لأن الفكر الصوفي بعمومه هو فكر منفتح يؤمن بأن العلاقة مع الله علاقة روحانية بحتة، وهذه العلاقة أكبر من كل الشرائع والأديان، هي بالضبط علاقة بين كائن يبحث عن كماله الروحي بوساطة العقل المفكر؛ الكمال الذي لا يعتوره النقص ولا يقربه الفناء.

print