المحيط الهادي هو المسطح المائي الأكبر في العالم إذ تقارب مساحته 170 مليون كم2، وتشرف عليه القوى العظمى الرئيسة الثلاث في العالم، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين ونظراً لمساحته التي تعادل ثلث مساحة الكرة الأرضية تقريباً فإنه من شبه المستحيل أن تفكر قوة واحدة في العالم في السيطرة المطلقة عليه، لكن استحالة السيطرة من قبل طرف واحد على هذا المسطح المائي الأكبر قد تعني أن الصراع سيبقى مستمراً على تحديد أحجام القوى العالمية استناداً إلى مدى نفوذها في المحيط الهادي وتحديداً في شماله.
شهدت منطقة شمال الهادي، وتحديداً في اليابان أول استخدام للسلاح النووي الذي يقول الأمريكيون إنهم حسموا الحرب به، وإن كان بعض المؤرخين الغربيين يقرون بأن استخدام السلاح النووي ضد اليابان لم يكن ذا أهمية عسكرية مباشرة لأن الحرب حسمت فعلياً قبل ذلك ولم يعد أمام اليابان إلا الاستسلام.. لقد كان تأكيد الهيمنة الأمريكية على منطقة شمال الهادي هو الهدف الاستراتيجي الحقيقي الذي أرادت الولايات المتحدة تحقيقه عبر اللجوء للسلاح النووي، ويرى بعض مؤرخي الغرب أن الهدف كان إخافة الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين الذي أنجز خلال أربعة أيام على الجبهة الشرقية (جبهة شمال الهادي) ماعجزت الولايات المتحدة عن أن تنجزه في أربعة أعوام.
بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في تموز من العام 1950 بعد أقل من عام واحد على امتلاك ستالين سلاحه النووي اندلعت الحرب الكورية التي قادت إلى تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى شطرين شمالي وجنوبي، غير أن الأمور سرعان ما اتجهت نحو نوع من التهدئة بحلول العام 1953، ليبقى الستاتيكو السياسي يسود المنطقة، ففي الشمال كان هناك الاتحاد السوفييتي الذي ورثته روسيا الحالية، كما كانت الصين واليابان وكوريا الجنوبية مع وجود عسكري أمريكي قوي في البلدين الأخيرين، غير أن عوامل الستاتيكو لعام 1953 لم تعد موجودة اليوم، إذ استبدلت بمعادلة متفجرة، أطرافها الصين القوية (التي تختلف عن الصين الخجولة عام 1953) إضافة إلى روسيا الغاضبة من الغرب بزعامة الرجل القوي بوتين، وبالتأكيد يضاف إلى هذه المعادلة صاعق التفجير النووي الكوري الديمقراطي بزعامة كيم جونغ أون.. ومن جهتها بدأت اليابان تخرج من عزلتها الجيو-سياسية فهي، وإن كان دورها مرسوماً بمحددات أمريكية -تريد لعب الدور الذي يتناسب مع حجم قوتها التكنولوجية والاقتصادية، كما أن كوريا الجنوبية تعد عملاقاً اقتصادياً على خط المجابهة الجديد (بما يشبه وضع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية).
كما هو معلوم، ساد العالم نظام ثنائي القطبية بعد الحرب الكورية، وكان هذا النظام مؤلفاً من قطبين هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وكان لكل قطب كتلته الخاصة وحلفه العسكري الخاص، وتركزت خطوط المواجهة في منطقة الأطلسي وبالتحديد في شمال الأطلسي والقارة الأوروبية، وكانت منطقة شرق آسيا تلعب دور خط مواجهة ثانوي حيث اندلعت الحرب الكورية وحروب الهند الصينية.
كما كانت منطقة الشرق الأوسط منطقة نفوذ أو خطوط فصل جيوبوليتيكية، في حين حافظ المحيط الهندي على حياده السياسي وبقيت حالة الستاتيكو السياسي شبه معممة في المحيط الهادي، ويعود ذلك إلى حالة التوازن في القوى بين الجبارين اللذين آثرا الحفاظ على هذا الوضع، كما أن الصين لم تكن قد حجزت مكاناً لنفسها بين الكبار، فقد كانت مجرد عملاق سكاني مناكف للاتحاد السوفييتي وشريك شكاك بالغرب، لكنها كانت بحكم الجغرافيا السياسية قوة نائمة، أو وحشاً نائماً كما قال جورج بوش الأب عندما سئل عن الصين في التسعينيات من القرن الماضي، إذ نقل عنه رده «دعوا ذلك الوحش نائماً». لقد كان بوش الأب على حق فبعد أقل من عقدين على مقولته تلك استفاق التنين العظيم وها هو ذا يحلق بجناحين من الذهب الخالص.. لقد تغيرت القوى وتالياً تغير العالم، وهو مرشح للمزيد من التغير ففي التاسع والعشرين من تشرين الأول للعام 2015 ألغت الصين سياسة الطفل الواحد، وهذا يعني أنها قد تتضاعف سكانياً في غضون ثلاثين إلى أربعين عاماً مع كل ما تحتويه هذه المسألة من تداعيات اقتصادية وجيوبوليتيكية.
يقظة أخرى لم تكن أقل هولاً على الغرب، هي استفاقة الدب الروسي من سباته الذي أراد له الغرب أن يكون موتاً، العالم يتغير وبسرعة، وروسيا بوتين لم تعد تلك اليلتسينية المتسولة، إنها روسيا البوتينية المقاتلة التي لن تقبل بأقل من موقع القطب العالمي الذي تستحقه بجدارة.
في وقتنا الراهن، أصبح واضحاً لكثير من المتابعين أن الولايات المتحدة تفكر جدياً في الانسحاب من «الشرق الأوسط المشؤوم» كما يقول كثيرون في أمريكا، وبدأت تتوجه أنظارها نحو المحيط الهادي حيث هناك شمس الصين التي بدأت تغير من مسار الأحداث في المنطقة والعالم، إذ شبّه مسؤول سنغافوري صعود الصين بأنه «مثل شمس جديدة في النظام الشمسي، حيث تعدل كل الكواكب مداراتها» والصعود الصيني السريع والمثير شكل دافعاً للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لإطلاق مبادرته السياسية المعروفة باسم محور آسيا، التي تتضمن إعادة توازن الموقف العسكري الأمريكي في آسيا، فالبحرية الأمريكية تعتزم بحلول عام 2020 نشر المزيد من قواتها، بما في ذلك نشر ست من مجموعات حاملات الطائرات في المحيط الهادئ، وتشمل المبادرة أيضاً المجالات الدبلوماسية والاقتصاد والتنمية والثقافة والعلاقات بين المجتمعات، وفي عام 2011 انضمت أمريكا رسمياً إلى قمة شرق آسيا، ما أدى إلى تهدئة المخاوف في المنطقة من الموقف العدائي الصيني المتصاعد في بحر الصين الجنوبي.
ولا يبتعد الموقف الصيني عن الموقف الروسي وهما يدعمان الموقف الكوري الديمقراطي، بل إنه من المنطقي الافتراض أن روسيا والصين ينسقان فيما بينهما لمواجهة التمدد الأمريكي في المحيط الهادي الذي ترافقه إعادة نشر قوة أمريكية ضاربة في هذا المسطح المائي الاستراتيجي، من هنا، نفهم تهديد كيم جونغ أون بتدمير القواعد الأمريكية في غوام، على أنه رد على التدخل الأمريكي المستمر في الشؤون الصينية والكورية وحتى محاولاتها الحد من التمدد الروسي في أقاصي الشرق الآسيوي، كيم يفهم تماماً ما يريد وهو ليس وحيداً في اللعبة الكبيرة.
لقد انتقل محور القوة العالمي نحو الشرق نحو المحيط الهادي وقد يشهد العالم ولادة حلف شمال الهادي كرديف أو بديل للحلف الأطلسي ولعل الرئيس الأمريكي الحالي «ترامب» يكاد يفصح عن هذا الأمر عندما تحدث عن عدم صلاحية حلف شمال الأطلسي للبقاء طويلاً، كما أن هذه المعطيات تجعلنا نفهم أكثر لماذا تستسلم الولايات المتحدة لروسيا وإيران في الشرق الأوسط، مع احتمال قيامها بتشكيل «ناتو» طائفي لمواجهة الاثنين، بغية إرساء حالة من الستاتيكو السياسي الذي يضمن المحافظة على المصالح الأمريكية في ظل هذا الانسحاب الاستراتيجي شرقاً، أو لعله إعادة الانتشار الاستراتيجي ويعني ذلك بقاء الجبهة الشرق أوسطية مفتوحة بصورة ثانوية مشابهة لجبهة الهند الصينية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.
المحيط الهندي مسرح اللعبة الكبرى الجديد
المحيط الهندي هو ثالث أكبر محيطات الأرض، ويشمل خُمس المياه في العالم، ويحده من الشمال شبه القارة الهندية، ومن الغرب شرق إفريقيا، ومن الشرق شبه الجزيرة الهندية الصينية، جزر سوندا وأستراليا، ومن الجنوب يحده المحيط المتجمد الجنوبي وتبلغ مساحته 73 مليوناً ونصف مليون كيلو متر مربع، وبنظرة سريعة إلى جغرافيا المحيط الهندي نرى أنه يكاد يكون المسطح المائي الأهم في عالم اليوم، إذ يمتد من القرن الإفريقي بكل ما يحتوي عليه من أهمية استراتيجية للملاحة الدولية بسبب مضيق باب المندب الذي يعد من أهم الممرات المائية العالمية، مروراً بالجزيرة العربية وإيران وهي أهم مناطق الطاقة العالمية وصولاً إلى الهند القوة الصاعدة التي لا يستطيع أحد تجاوز دورها الإقليمي الذي بدأ يصبح عالمياً بامتياز، وصولاً لأستراليا وأندونيسيا، ويشكل الفضاء المفتوح الذي يعطي أهم ثلاثة مضائق في العالم قيمتها الاستراتيجية وهي باب المندب ومضيق ملقا ومضيق هرمز، وتعبر نصف التجارة العالمية من مضيق ملقا، و40% من إمدادات النفط العالمي المنقول بحراً عبر مضيق هرمز، كما تستحوذ الأراضي المطلة على المحيط الهندي من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادي على نصف حركة الحاويات العالمية و70% من حركة النفط العالمية، وأدركت الهند والصين في وقت مبكر الأهمية الاستراتيجية للمحيط الهندي، فقد اعتمدت الصين ما عرف باستراتيجية عقد اللؤلؤ التي تتمثل في إنشاء سلسلة من القواعد في الدول الصديقة كقاعدة ميناء غوادر الباكستاني كما أنها تخطط لبناء قناة مائية عبر برزخ كرا في تايلاند ومن شأن هذا المشروع في حال إنجازه أن يربط بين المحيط الهندي والموانئ الصينية الواقعة على المحيط الهادي، كما تسعى الصين لبناء طرق وخطوط أنابيب لربط خليج البنغال مع مقاطعة يونان الصينية وهذه النشاطات مقلقة للهند التي تسعى في إطار مواجهتها التمدد الصيني لتعزيز روابطها الاستراتيجية مع إيران وميانمار، واستناداً إلى ما تقدم نفهم قول المفكرين الاستراتيجيين إن السيطرة على المحيط الهندي تعني السيطرة على آسيا التي أصبحت مركز الثقل العالمي وأدركت البحرية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة أن المحيط الهندي سيمثل تهديداً مركزياً وساحة لتنافس دولي، ولاسيما في ظل الصعود الهندي والصيني، فالعلاقات الهندية- الأمريكية هي علاقات متميزة تحقق مصالح الدولتين، ولكن هذا لا ينفي أن الهند لها حرية اختيار تحركاتها الاستراتيجية بعيداً عن واشنطن، ويعبر التعاون الهندي-الإيراني عن هذا الأمر، وعلى صعيد آخر، تعد أفغانستان مفتاح آسيا، لأن تحقيق الأمن والاستقرار في هذا البلد الواقع في قلب العالم سيجعل من السهل ربط وسط آسيا بالمحيط الهندي بوساطة أنابيب نقل الطاقة ومسألة أمن امداداتها.
لا تشرف الصين مباشرة على المحيط الهندي لكنه في قلب الجيوبوليتيك الصيني ولهذا السبب سرعت من عملية بناء قوتها البحرية إلى الحد الذي أقلق الأمريكان والهنود، ونظراً لتراجع القوة الأمريكية النسبي فإن الصين بدأت تتحول إلى قوة بحرية مهمة «تعرف الصين تاريخياً كقوة برية أكثر منها بحرية» والمسرح الرئيس للصعود الصيني هو المحيط الهندي، ويأتي الاهتمام الهندي والصيني بهذا المحيط بسبب إمدادات الطاقة إذ يعد البلدان الأكثر نمواً في الطلب على الطاقة عالمياً، كما أن نمو البلدين الاقتصادي يحتم عليهما البحث عن أسواق لتصريف منتجاتهما، وهنا تأتي قضية حماية طرق التجارة العالمية تلك القضية التي أخذت تستعر مع بروز مسألة القرصنة في خليج عدن الاستراتيجي، إذ أرسلت جميع دول العالم المهمة تقريباً تشكيلات بحرية قتالية للمنطقة.
استناداً إلى هذه المعطيات، نستطيع القول إن الأزمة الكورية، ولاسيما تفجرها العنيف والتهديد باللجوء للسلاح النووي يأتي في سياق الصراع على الهادي والهندي، حيث تحدد القوى الكبيرة حجومها في الأول ولاسيما في شمال الهادي وتفرض سيطرة نسبية لها في الثاني ليكون بمنزلة منطقة نفوذ استراتيجي للقوى التي تريد حماية خطوط إمداد الطاقة المتجهة إليها وخطوط التجارة الصادرة عنها، كما أنه قد يصبح منطقة حرب في حال استعرت الحروب التجارية بين القوى الكبيرة وهو أمر ليس مستبعداً.
تهديد كيم بضرب جزيرة غوام يأتي رداً على التصعيد الأمريكي في بحر الصين الجنوبي، كما يأتي في سياق اللعبة الكبيرة للسيطرة على المسطحات المائية العظمى في العالم، وكما ذكرنا، فإن هذا التهديد لا يبتعد أبداً عن التنسيق الدائم المعلن والخفي مع روسيا والصين في إطار اللعبة الكبيرة مع واشنطن.
هكذا نرى أنه وعلى الرغم من الأهمية القصوى للمحيط الهادي، فإنه لا معنى للسيطرة عليه من دون التحكم بالمحيط الهندي وبالمضائق الاستراتيجية التي تربط المحيطين كمضيق ملقا الذي تحاول الصين تجنبه مستقبلاً عبر شق قناة «كرا» السابق ذكرها، ويرى الكثير من المتابعين أن المحيط الهندي سيكون المنطقة الأكثر أهميةً من الناحية الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.
ركزت نظريات ماكندر وغيره من آباء الجغرافيا السياسية، منذ أكثر من قرن، على اليابسة وكانت البحار والمحيطات، حسب هذه النظريات، عوامل تساعد أو تعوق هذه السيطرة، لكن القرن الراهن، حسب اعتقادي، سيكون قرن السيطرة على المسطحات المائية العظمى فمفردات القوة/ القوى اختلفت، إذ إننا اليوم في عالم الطائرات الأسرع من الصوت وفي عالم الصواريخ النووية التي تصل إلى أي مكان في العالم بدقائق.. لقد أعادت التكنولوجيا، وتعيد باستمرار تشكيل القوى وتحديد أشكالها، وها هي اليوم القوى الجديدة تفرض نظريات جديدة في الجغرافيا السياسية.
مَنْ يسيطر على المحيط الهندي يسيطر على العالم
سبق لأبي الجغرافيا السياسية هالفورد ماكندر أن قال في نظريته الشهيرة عن الجغرافيا السياسية «من يحكم جزيرة العالم فإنه يحكم العالم»، ولعل هذه النظرية بعد مرور أكثر من مئة عام عليها (وضع ماكندر نظريته الشهيرة عام 1904) بحاجة للكثير من التعديلات، فمفردات القوة ووسائطها لم تعد هي نفسها التي كانت سائدة في مطلع القرن العشرين.
وضع ماكندر نظريته قبل عصر الذرة وعصر الصواريخ والنانو تكنولوجي، وقبل بروز الأثر القوي للقوة الناعمة.. باختصار، عالم اليوم يحتاج نظرية، أو نظريات جديدة في هذا المجال. لقد عادت الأهمية الخاصة للبحار والمحيطات كمصدر للعيش والتجارة والثروات الباطنية ولم يعد في الإمكان التعويل فقط على اليابسة التي تشكل خمس مساحة الأرض، كما أن السيطرة على المسطحات المائية الكبرى في العالم تتطلب قوى بحرية وجوية وفضائية كبيرة، وهذه الأخيرة تتطلب تقدماً علمياً وتكنولوجياً كبيراً.
إن بروز قوى جديدة على المسرح العالمي كالصين والهند يتطلب إعادة رسم الخطوط الجيوبوليتيكية على المستوى العالمي، وبشكل خاص في منطقة المحيط الهندي الذي نتوقع أن يشهد أعظم انتشار للقوى البحرية في العالم خلال عقود قليلة، ونظراً لصعود هذه القوى فقد بدأ المحيط الهندي يكتسب أهمية خاصة تشبه تلك التي كانت لجزيرة العالم مطلع القرن العشرين.
ختاماً، نستطيع القول إن من يسيطر على المحيط الهندي فإنه قادر على التحكم وبدرجة كبيرة بالباسيفيكي ومن سيتحكم بالأخير فسيحكم العالم.

print